أقلام الثبات
في الفكر السياسي المعاصر، لا تقاس الهيمنة فقط بالترسانة العسكرية والقدرات الاقتصادية والسياسية للدولة، بل بالقدرة على تحقيق القبول والرضا من قبل المهيمن عليهم. هذا التحول يعكس صعود مفاهيم مثل القوة الناعمة ونزع الشرعية التي تركز على البعد الرمزي والثقافي للصراع:
القوة الصلبة: ترتكز على أدوات الإكراه العسكري والاقتصادي.
القوة الناعمة: كما صاغها جوزيف ناي؛ تقوم على الجاذبية الثقافية والقيمية، وقدرة الدولة على إقناع الآخرين بقبول نموذجها السياسي والأخلاقي.
وفي هذا الإطار إن الرغبة "الإسرائيلية" في الهيمنة على الشرق الأوسط، انطلاقاً من قدراتها العسكرية وتغوّلها على الدول المجاورة، يعيقه قدرتها على تحقيق القبول والرضا، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم أيضاً، خصوصاً في ظل أزمة الشرعية الأخلاقية التي تعاني منها بعد حرب غزة.
ولعل صيحات الاستهجان التي انطلقت من الملاعب ضد الفريق "الإسرائيلي" في الألعاب الأولمبية الشتوية في إيطاليا، يؤشر على تحول بنيوي في طبيعة المواجهة الإقليمية والدولية، وانتقال الصراع من الميادين العسكرية والدبلوماسية الرسمية إلى "المجال الرمزي الثقافي"، حيث تُهزم "القوة المتغطرسة" أمام تنامي الرفض الشعبي العابر للحدود.
لسنوات طويلة، استثمر الاحتلال مبالغ طائلة لترسيخ صورة "الدولة الديمقراطية" و"صورة الضحية" في العالم. لكن ما يحدث اليوم في الميادين الثقافية والرياضية يحطم هذه الصورة، ويؤكد أن الرواية المناهضة للاحتلال قد نجحت بالفعل في اختراق "العقل العالمي"، فارضةً حصاراً معنوياً يتجاوز حدود الميدان العسكري ليصل إلى قلب العواصم الأوروبية، وفي إطار حروب التواصل الاستراتيجي، تكمن أهمية هذه المقاطع في قدرتها الفائقة على تحطيم تلك الصورة.
يشكّل استهداف الوفود "الاسرائيلية" بصيحات الاستهجان تجسيداً لما يُعرف بـ"نزع الشرعية". فقدَ الاسرائيلي "القوة الناعمة" التي تعتمد في جوهرها على الجاذبية والقبول، بعد الإبادة في غزة وانتشار صور المجازر على وسائل التواصل التي لم يعد بالإمكان السيطرة على تدفق المعلومات فيها، وهذا ضرب "الجاذبية الإسرائيلية" في مقتل، محولاً المناسبات العالمية من أدوات تواصل إلى منصات للاستنكار، والتعبير عن الرفض العالمي.
وبالتالي، إن "العزلة الرمزية" التي يعيشها الاحتلال في الميادين العامة سوف تضع حلفاءه الدوليين في مأزق أمام قواعدهم الشعبية في المستقبل. تعكس هذه المشاهد تنامي "عزلة أخلاقية" في الوجدان الجمعي الدولي. ولا شكّ، إن العزلة هذه سوف تُفقد الحلفاء مبرراتهم الأخلاقية للاستمرار في دعم الاحتلال، ورويداً رويداً ستؤدي الى تغيير في السياسة الغربية ولو بعد حين.
إن ما يحدث اليوم في الميادين الثقافية والرياضية هو انتصار في "حرب الوعي"، فبينما تحاول القوى الكبرى فرض واقع سياسي معين، يرفض "الحيز العام العالمي" هذا الواقع، معيداً تعريف الصراع بوصفه أزمة شرعية وأخلاق لا يمكن حلها بقوة السلاح وحده.
الزيارة التي طهّرت الحكومة من خطاياها... دون أن يربح الجنوب _ د. نسيب حطيط
زيارة عابرة لدولة غائبة… والجنوب خارج الحسابات
حكاية صاروخ "خورمشهر 4": القوَّة التي قادت إلى المفاوضات _ أمين أبوراشد