الزيارة التي طهّرت الحكومة من خطاياها... دون أن يربح الجنوب _ د. نسيب حطيط

الإثنين 09 شباط , 2026 12:19 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
حصدت "حكومة اجتثاث المقاومة" مكسباً كبيراً لم تكن تتوقعه، وجاء هذا المكسب كهدية مجانية، مقابل وعود بتزفيت بعض الطرقات وتركيب بعض أعمدة الكهرباء، ورغم أن الزيارة كانت إيجابية شكلياً بالنسبة للجنوبيين لأنها تعني أن الدولة تذكرتهم بعد عام على تشكيلها، إلا أنها لم تحمل معها أي عطايا ملموسة سوى وعد بترميم البنى التحتية، دون أي ذكر لإعادة الإعمار، أو طرد الاحتلال، أو منع العدوان.
يعتبر البعض أن زيارة الحكومة للجنوب إنجاز نوعي ومكسب سياسي، يمثل اعترافاً من الدولة بالجنوب، كمنطقة لبنانية، خصوصاً أنها لم تُعلِن المنطقة منكوبة رغم الدمار والتهجير، لكنهم يغفلون أن واجب الحكومة والوزراء والمسؤولين هو زيارة أي منطقة لبنانية تتعرض للقصف، أو تحتاج إلى تنمية، أو تشهد انهياراً للمباني، أو تتعرض لكوارث طبيعية؛ فهذه الزيارة ليست منّة أو مكرمة خاصة، لاسيما بعد أن جنت الحكومة أرباحاً طائلة دون أن تقدم شيئاً لأهل الجنوب ويمكن تعداد مكاسب الحكومة وخسائر قوى المقاومة والمجتمع المقاوم في هذه الزيارة بمعزل عن الضجيج ونثر الأرز والابتسامات المصطنعة وافتتاح الأسواق.
-  نجحت الزيارة "الذهبية" في تبييض سجل الحكومة المقصرة والمتواطئة، والتي أعلنت أن مهمتها هي نزع سلاح المقاومة واجتثاثها على كافة الأصعدة (المالية والعسكرية والثقافية والصحية) فقد كانت الاستقبالات والترحيب والإشادة بمثابة تطهير للحكومة من آثامها وتعميد لها، وهو ما يتناقض تماماً مع الموضوعية والواقع.
- أظهرت "الزيارة" أهل الجنوب في صورة المحتاجين والمشردين الذين يستغيثون ويناشدون، وكأن الحكومة هي المُنقذ، وأظهروا (دون قصد) أن لا وليّ لهم ولا راعٍ لشؤونهم.
- غابت أعلام الأحزاب وصور الزعامات والقيادات والتنظيمات عن معظم الاحتفالات والاستقبالات، وحُصرت التصريحات والمشاركة ونقل المطالب برؤساء البلديات والنواب والوزراء، بصفتهم الرسمية التمثيلية لا الحزبية. لكن اللافت للنظر هو التعامل وكأن شرطًا فُرض على المستقبلين بأن رئيس الحكومة لا يريد رؤية "راية حزبية" أو صورة أو أي شيء يمثل الأحزاب في الجنوب، وحصر الأعلام، بالعلم اللبناني، والمتحدثين بالهيئات التابعة لوزارة الداخلية والمؤسسات الرسمية أو غير المنتسبين للأحزاب (خصوصاً في احتفال النبطية). هذا المشهد لم نشهده منذ أكثر من 40 عامًا، فبعد نزع السلاح "جنوبي الليطاني"، تم تكريس نزع الأعلام ومنع المسؤولين الحزبيين من التحدث والتصريح لتثبيت منطقة "جنوبي الليطاني" خالية من السلاح والمسلحين والحزبيين، وكأنه تأكيدٌ، لما قاله رئيس الجمهورية: "تم تنظيف المنطقة" وإعلانها منطقة نقية لا تؤمن إلا بالدولة.
أظهرت الزيارة "الذهبية" للحكومة، إمكانية العمل لفصل أهل الجنوب عن قوى المقاومة عبر الحصار والقصف والترغيب وبيع الأوهام والوعود بالإعمار والأمان مقابل التخلي عن المقاومة، وليس عن سلاحها فقط وهذا ما ربحته الحكومة والمشروع الأمريكي - "الإسرائيلي" لاجتثاث المقاومة، لكن المقاومة وأهلها لم يربحوا شيئًا ملموسًا، فالحكومة كسبت نقدًا وأعطت شيكات بلا رصيد وبلا تاريخ للصرف، إذ لم تحدّد موعدًا لإعادة الإعمار ولا لوقف العدوان وبعد ساعات قليلة من مغادرة الحكومة سوق النبطية – حيث تم تكريمها بافتتاحه دون أن تساهم في إعماره أو تمنع تدميره – تسلّل العدو "الإسرائيلي" إلى "الهباريّة" وخطف أحد المواطنين، تأكيدًا على أن وعود الحكومة، كغثاء السيل، انتهت بمجرد إذاعتها.
لقد تمادى رئيس الحكومة ووزراؤه في الاستخفاف بأهالي الجنوب، جهراً وعلى صعيد المساعدات، فمن قلب الجنوب، أعلن رئيس الحكومة تعهد الدولة بدفع "بدلات إيواء" للمتضررين في طرابلس الذين انهارت مبانيهم، وهو قرارٌ جيد ونُثني عليه، لكنه يمتنع حتى الآن عن دفع بدلات الإيواء للمتضررين الذين دمرت إسرائيل منازلهم، وهم غير مسلحين، خاصة بعد اتفاق تشرين 2024،فإذا كانت الدولة تُحمّل المقاومة مسؤولية الدمار الذي ألحقته إسرائيل بسبب حرب الإسناد، فإن الدولة هي المسؤولة، بعد الاتفاق الذي وقعته، عن كل مبنى تدمره "إسرائيل" وعليها دفع بدلات الإيواء.
 لا يستحق أهالي الجنوب الأشراف ما يواجهونه من تقصير، فهم لا يتسوّلون ولا يمدون أيديهم طلباً للمساعدات، بل هم أهل الكرم والشرف والصبر والصمود، وعلى المسؤولين عنهم رفع مستوى الحماية لهم حتى لا يضطروا للصراخ (بدنا مين يدافع عنّا) أو المناشدة (نريد من يعمر لنا)، فبعد كل التضحيات التي قدموها، لا يستحق أهالي الجنوب أن يُذلّهم أحد أو يستهزئ بهم أحد أو يُهملهم أحد... {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْؤولُونَ}..."إنها زيارةٌ ضيزى"!


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل