خاص الثبات
لم يحتج الجنوب يوماً إلى زيارة رسمية ليُثبت حضوره أو ليؤكد حجم المأساة التي يعيشها. فالقرى والبلدات المحاذية لفلسطين المحتلة لم تغب عن المشهد، لا قبل العدوان ولا بعده، وهي ما زالت حتى اليوم تحت النار، تُقصف وتُدمَّر وتُفرغ من أهلها، فيما الدولة اللبنانية تتعامل مع ما يجري كأنه أمر واقع لا يُمسّ.
من هذا المنطلق، جاءت جولة رئيس الحكومة نواف سلام وبعض الوزراء كحدث إداري بارد، لا يحمل جديداً، ولا يغيّر في جوهر السياسات المتّبعة. لم يكن في الزيارة ما يشبه التحوّل، ولا ما يوحي بأن الجنوب بات أولوية وطنية، بل بدا واضحاً أنها محاولة لإدارة الأزمة لا لمعالجتها.
الخطاب الذي رافق الجولة اقتصر على وعود بإصلاحات موضعية في البنى التحتية، طرق ومياه وكهرباء، وكأن المشكلة تقنية بحتة، لا سياسية ولا سيادية. أما الإعمار وعودة السكان، فجرى ترحيلهما إلى مرحلة لاحقة غير واضحة المعالم، ما يعكس منطقاً رسمياً يفصل الأرض عن أهلها، ويتعامل مع القرى الجنوبية كمساحات قابلة للصيانة لا كأماكن حياة.
الأكثر دلالة كان تغييب العدو الإسرائيلي بالكامل عن الخطاب الرسمي. لا ذكر لاحتلال، لا مطالبة بانسحاب، ولا حتى إدانة صريحة للقصف اليومي وتدمير المنازل. هذا التجاهل لا يمكن قراءته إلا كجزء من سياسة أوسع، تُحاول فيها الدولة اللبنانية الهروب من تسمية المعتدي، وكأن الصراع الدائر على الحدود الجنوبية مجرّد إشكال أمني عابر.
في الواقع، ما كشفته الزيارة ليس خطة، بل عجزاً.
أمنياً، لا قدرة ولا قرار لوقف الاعتداءات أو فرض الانسحاب، فيما يستمر الاحتلال في تثبيت وقائعه الميدانية.
إقليمياً، لا أفق لمساعدات أو لإعادة إعمار، لأن القرار ليس بيد لبنان ولا حتى بيد دول المنطقة، بل خاضع لحسابات خارجية واضحة.
ودولياً، تمارس الولايات المتحدة ضغطاً مباشراً على الدولة اللبنانية، يمنع أي توازن، من تسليح الجيش إلى إدارة ما يُسمّى آليات المراقبة، فيما يُترك العدو يعمل بلا رادع وبغطاء كامل.
حتى التفاصيل التي بدت “استثنائية”، كغياب المسيّرات الإسرائيلية خلال يومَي الزيارة، لم تكن دليلاً على تحوّل في المعادلة، بل مؤشراً إضافياً على أن المشهد يُدار من خارج الحدود، وأن ما يُسمح به أو يُمنع لا تحدّده الدولة اللبنانية.
الجنوب، في المحصلة، لا ينتظر زيارات ولا بيانات. هو واقع تحت النار، ودولة تكتفي بالحضور الشكلي، وبخطاب يتجنب المواجهة السياسية الحقيقية. وما لم تُسمِّ السلطة الأمور بأسمائها، وتضع إنهاء الاحتلال والعدوان كمدخل لأي حديث عن إعمار أو بنى تحتية، ستبقى كل الجولات مجرد حركة في الفراغ، وكل الوعود مؤجلة إلى أجل غير مسمّى.
العزلة الأخلاقية: وجه آخر للصراع مع "إسرائيل" ــ د. ليلى نقولا
الزيارة التي طهّرت الحكومة من خطاياها... دون أن يربح الجنوب _ د. نسيب حطيط
حكاية صاروخ "خورمشهر 4": القوَّة التي قادت إلى المفاوضات _ أمين أبوراشد