مغالطات حول استرداد الدولة سيادتها وسلطتها على جنوبي الليطاني ــ د. نسيب حطيط

الأربعاء 04 شباط , 2026 11:14 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يكرّر المسؤولون اللبنانيون الادعاء بأن "الدولة" استعادت قرارها في جنوبي الليطاني، بعدما فقدته عام 1969 بموجب اتفاق القاهرة مع المقاومة الفلسطينية، وأنها استرجعت قرار الحرب والسلم، لكنها لم تحدّد هوية الدولة التي بسطت سلطتها وفرضت قرارها.. هل هي الدولة اللبنانية أم دولة "إسرائيل" التي لا نعترف بها؟ 
إن الصمت عن هذا الادعاء الباطل، يُعد مشاركة في العدوان على المقاومة وأهلها، لأنه يغذي الإشاعة التي تُبنى عليها سياسات الحكومة، والقرارات الدولية، وقبل تفنيد هذه المغالطات المضلّلة التي تحاول تحريف الوقائع وتجريم المقاومة المظلومة وتبرئة العدو "الإسرائيلي" من جرائمه منذ عام 1969 وما قبله، يجب فضح الدولة التي تنازلت عن سلطتها  وسيادتها هي الدولة اللبنانية نفسها، وليس أهل الجنوب أو المقاومة التي لم تكن موجودة، ويحمّل الدولة مسؤولية ما تعرض له الجنوب منذ عام 1969 حتى الآن، والتي شرّعت الأبواب أمام استباحته من قبل الفلسطينيين ومن قبل العدو "الإسرائيلي"، ونسأل الذين يتباهون في كل مناسبة باستردادهم للسلطة والسيادة ويعترفون بأن المقاومة لم تطلق رصاصة واحدة منذ اتفاق تشرين 2024 رغم كل الاغتيالات والقصف: ماذا فعلت هذه الدولة لتأمين أمن مواطنيها وحمايتهم؟
 أصدرت الحكومة قرارًا بحصرية السلاح بيد الدولة، وتبين أن هذا القرار حصر السلاح فعليًا بيد «دولة إسرائيل»، حيث جرى نزع سلاح المقاومة، وإجبار الجيش على تفجيره بدلاً من الاحتفاظ به ونسال: هل تستطيع «حكومة السيادة» تعديل أو رفض الأوامر "الإسرائيلية" التي تمنع الجيش من إدخال الدبابات والمدرعات والمدفعية الثقيلة الى جنوبي الليطاني، والسماح له بالأسلحة والآليات الضرورية للدوريات والمداهمات، وغير القادرة على القتال؟
هل تمكنت الدولة اللبنانية من منع الطائرات الزراعية من إحراق وتجفيف الأحراج المحاذية للحدود اللبنانية الفلسطينية، واحتجزت القوات الدولية في مراكزها لتفادي خطر المبيدات؟ هل يعقل أن تسيطر طائرة زراعية على القوات الدولية والدولة اللبنانية والجيش اللبناني؟
عندما كان الجنوب تحت سلطة الدولة اللبنانية وجيشها، بين عامي 1948 و1969، ولم يكن هناك مقاومة مسلحة، لم تستطع الدولة منع الاعتداءات "الإسرائيلية" والمجازر، ففقد الجنوب أمنه ودفع أثماناً دموية.
في عام 1969، تخلّت الدولة عن الجنوب لصالح المقاومة الفلسطينية المسلحة، فدفع الجنوبيون الثمن غالياً، وكانت الدولة شريكة في جريمة قتل وتهجير أهل الجنوب حتى الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان عام 1982 الذي وضع الجنوب تحت الاحتلال، ثم وقعت الدولة اللبنانية اتفاق 17 أيار كبديل لاتفاق 1969، وباعت الجنوب مرة أخرى، وأقامت الحواجز لاعتقال المقاومين ومنعهم من تحرير أرضهم،  ومع ذلك استمرت المقاومة وصبرت حتى حرّرت الجنوب ولبنان عام 2000.
بعد عام 2000، نجحت المقاومة في تثبيت وقف إطلاق النار وتأمين الأمن للجنوب لأول مرة في تاريخ لبنان منذ عام 1948،فمنعت تسلل أي جندي "إسرائيلي"، أو اختراق طائرة "إسرائيلية"، أو قصف، أو حتى مرور جرافة، وقسمت "قبر العباد" إلى نصفين، ولم تكن الدولة حاضرة في المشهد، بل كان القرار بيد أهل الجنوب المقاومين.
بعد الانتكاسة "العسكرية" التي مُنيت بها المقاومة، ورغم بقائها على قيد الحياة، بادرت لتفويض الدولة منذ 14 شهراً، لكن الدولة لم تستطع إعادة الإعمار، أو منع العدوان، أو حماية الجنوب لا بالدبلوماسية ولا بالمواجهة العسكرية، ومع ذلك تتفاخر "زوراً" باستعادة السلطة، إلا إذا كانت تقصد أن سلطتها وقرارها مرتبطان بسلطة الاحتلال، الذي يملك القرار جنوب الليطاني "مؤقتاً" إلى أن تستعيده المقاومة قوتها.
يقارن أهالي الجنوب بين حماية الدولة وحماية المقاومة، ويلمسون بالدليل وتجارب الميدان أنه لا أمن ولا استقرار لهم في ظل حماية دولة ضعيفة ومتآمرة تنفذ أوامر العدو "الإسرائيلي" والأمريكي، ويرون أن الأمن لا يتحقق إلا باستعادة المقاومة عافيتها وقوتها، مما يستوجب الإبقاء على السلاح إما للدفاع أو للردع.
لن يثق أهالي الجنوب بأحد، سواء كانت الدولة، أو القوات الدولية، أو أي ضامن دولي، بعد تجاربهم المريرة، وسيعملون بقول: "ما حكَّ جلدكَ مثلُ ظفركَ...فتولَّ أنت جميعَ أمرك"، وبناءً على قناعتهم "لن يحمي أطفالك... إلا سلاحك".
تتحمل الدولة المسؤولية الكاملة عن إهمالها في الدفاع عن الجنوب، سواء بالجهد العسكري او الدبلوماسي الذي تتباهى به لإقناعنا بأنه الحل الأمثل، فإذا كان كذلك، فلماذا لم يُستعمل في السابق؟
فليصمت أصحاب السيادة الوهمية ويتوقفوا عن حصار المقاومة ومحاولة نزع سلاحها... فالاحتلال الى زوال، وأمريكا الى  الانهيار.. عاجلاً أم آجلاً.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل