ماذا لو لم تنتصر أمريكا... ولم تُهزَم إيران؟ _ د. نسيب حطيط

الأحد 01 شباط , 2026 10:31 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تترقب القوى المعادية لإيران أن تشن أمريكا الحرب عليها، لإسقاط نظامها السياسي، وإلحاق الهزيمة بمشروعها الديني (المذهب الشيعي)، وضمان الأمن "الإسرائيلي"، والقضاء على حركات المقاومة التي تهددها.
إن المعركة بين أمريكا وإيران تمثل المعركة المفصلية بين المشروع الأمريكي والمشروع التحرري المقاوم، ويعتقد أتباع أمريكا أن النصر سيكون لأمريكا، التي ترسم نهاية المعارك قبل بدايتها، وأن إيران ستكون "القتيل الرابع" بعد غزة ولبنان وسوريا، وبدء مرحلة استعمار جديدة لا تحتاج فيها أمريكا و"إسرائيل" إلى إرسال جيوش لاحتلال الشرق الأوسط، بل ستكون جيوش الدول وأحزابها قوة احتلال "وطنية".
 صحيحٌ أنه لا يمكن مقارنة القدرات العسكرية والإمكانيات بين أمريكا وإيران، خصوصاً أن أمريكا حشدت معظم دول العالم للقتال معها، بينما تقف إيران وحيدة في مواجهتها، مدعومة ببعض حركات المقاومة المحاصرة، لكن الخلل في ميزان القوى المادية لا يعني حتمية الانتصار الأمريكي، لسببين أساسيين:
- السبب الأول: عدم حتمية نجاح الاستراتيجية الأمريكية ضد إيران، والتي تهدف إلى ربح المعركة دون خوضها ميدانياً، وذلك عبر الإعلام وحشد الأساطيل والطائرات لترهيب العدو وهزيمته نفسياً ومعنوياً، واستثمار الثغرات داخل الدولة (التي تشكل بقصد أو بغير قصد، أو بتقاطع المصالح، أو بجهل استراتيجي وضعف العقيدة)، الفك الثاني للكماشة الأمريكية، وقد جربت أمريكا هذه الحروب سابقاً، فاستطاعت تفكيك الاتحاد السوفيتي، ونجحت في فنزويلا، و"استعبدت" العرب، وحتى في الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لا يعني إمكانية نجاحها في إيران بعد تجربة حرب الاثني عشر يوماً أو في انتفاضة عملاء الموساد، وأمريكا التي فشلت رغم الخسائر الكبيرة.
- السبب الثاني: يتعلق بإيران وحركات المقاومة، التي لا تكتفي بالسلاح المادي، رغم أهميته وسعيها لامتلاكه، بل تستند بشكل أساسي إلى سلاح العقيدة الدينية التي تمنحها القدرة على الصمود وتحفّزها للقتال وفق "النهج الحسيني"، وتبقي شعلة الأمل بالانتصار متقدة عبر "الانتظار المهدوي". هذا المزيج يمنعها من الاستسلام والذل، ويدفعها إلى التضحية والقتال حتى الاستشهاد، مما يمكّنها من التفوق على العدوين الأمريكي والإسرائيلي في سلاح الإرادة والتضحية، وقد اختبرت إيران هذه التجربة بنجاح بعد انتصار الثورة خلال الحرب العراقية - الإيرانية، كما عاشت مواجهة عنيفة مع المعارضة المسلحة الداخلية (منظمة خلق وأنصار الشاه) التي نجحت في اغتيال العديد من قياداتها، وهي قادرة على خوض التجربة مرة أخرى وتحقيق النصر.
لم تنتهِ الحرب ولن تنتهي قريبًا، لذا فمن المبكر إعلان انتصار أمريكا وهزيمة إيران والتعامل مع حلفائها بوصفهم مهزومين ومُلزمين بقبول شروط الاستسلام التي تفرضها أمريكا و"إسرائيل"، ومع كل الانتصارات والمكاسب التي حققها التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي"، تظل هذه المكاسب مؤقتة.
 إن السيطرة الأمريكية المطلقة على العالم ليست قدرًا محتومًا، وربما نشهد انهيارًا لهذا "الفرعون الأمريكي" داخليًا أو هزيمة في معركته مع إيران وحركات المقاومة، فكما أن انتصار المشروع المقاوم ليس حتميًا أو يعتريه الشك، فإن هزيمة محور المقاومة ليست حتمية أيضًا، رغم كل الضربات القاسية.
المعركة بين أمريكا وإيران هي صراع بين الشر (الاستعماري، الماسوني، الصهيوني) والخير (الإسلامي الإنساني)، وتهدف إلى منع أمريكا و"إسرائيل" من استثمار حصادهما من الانتصارات والأرباح المؤقتة،  وهي تمثل المعركة الأخيرة للعرب والمسلمين للدفاع عن حقوقهم ودينهم ومنع شطبهم من الخريطة السياسية للعالم، لأن هزيمة إيران وحركات المقاومة ستكون هزيمةً، للمشروع الإسلامي السياسي والإنساني، وإعدامًا نهائيًا لما تبقى من هوية العرب، وسيؤدي ذلك إلى بقاء الأمة في القرن القادم بلا هوية عربية أو إسلامية مؤثرة، بحيث تصبح شعوبًا مهمشة كـ"حيوانات اجتماعية أليفة" أو "عبيد منازل"، تعيش وتأكل وترقص وفق ما يقرره "السيد" الأمريكي و"الإسرائيلي" واستعمار العقل والأرض والثروات.
يتصرف الشامتون والضعفاء والحاقدون وكأن أمريكا قد انتصرت، بينما نحن نؤكد أن إيران وحركات المقاومة لم تُهزم ولن تُهزم، لأن الوعد الإلهي هو أن الأرض يرثها عباده الصالحون، وليس قطاع الطرق واللصوص والقتلة. 
تخوض أمريكا و"إسرائيل" معركة دينية مرجعيتها التلمود والتوراة والديانة الإبراهيمية، ونحن نخوض معركة دينية كتابها القرآن الكريم، وواجبنا ألا نستسلم ولا نبايع الظالمين، فعلى الرغم من أي خسارة في هذه المعركة، فإن الصراع الإلهي بين الخير والشر قائم حتى يوم القيامة، فلا تتسرعوا في الاستسلام، فلن يطول الليل الأمريكي - "الإسرائيلي" {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}، وحتى لو انهزمت إيران - لا سمح الله - فهذا لا يعني أن نُهزم نحن في لبنان، فنحن "خميرة الدين" وجنود الرسالة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل