أقلام الثبات
شهد المجلس النيابي خلال الأيام الفائتة، سوق عكاظ محلي استهلك من رصيد المجلس أكثر مما اضاف إليه. فسوق عكاظ المكي الحجازي التاريخي كان يفيد المشاركين فيه والمستمعين لجلساته، حيث يتبارى الشعراء والخطباء في إظهار ثقافتهم ونرجسياتهم؛ ويمجدون ذواتهم ويفخرون بقبائلهم وانتماءاتهم، بما يؤرخ لتلك القبائل ويسجل وقائعها ويوصل رسالتها إلى غيرها من سكان جزيرة العرب. فيما سوق عكاظ اللبناني النيابي لم يخفف من شكوى الناس من غربة النواب عن هموم شعبهم؛ ولم تتاح فيه لنرجسيات البعض الانطلاق، نظراً إلى ضيق الوقت المحدد للخطباء. وعندما "طحش" بعضهم للجدال ولمقاطعة المتحدثين، على طريقة "شوفيني يا منيرة"، قطع رئيس المجلس دابر محاولاتهم، بإعطاء الأمر بقطع البث الخارجي، والأهم أن كل خطب النواب ومشاغباتهم وخلافاتهم، الجدية أو المصطنعة، لم تفد اللبنانيين بشيء.
والواقع أن اللبنانيين اعتادوا ألا ينتظروا الكثير من نوابهم، ليس فقط لقصورهم عن الاهتمام بقضايا الناس الحياتية والمعيشية؛ وهم يدركون معاناة الناس وأوجاعها، بل وكذلك لأن اللبنانيين يعرفون أن الحكومات التي تقدم للنواب برامجها وموازناتها السنوية، آخر ما تهتم به، هو ما يقوله هؤلاء ويطالبون به، لقناعتها بأن أوامر الخارج كفيلة بتأمين الأصوات المطلوبة لتمرير ما تريده.
والواقع كذلك؛ أن الحكومات اللبنانية يشكلها "الحضنان" الدولي والعربي، المسميان زوراً بالمجتمع الدولي؛ والمجتمع العربي، وهما في الحقيقة محصوران بالإملاءات الأميركية والتمويل السعودي، فالأخيران هما من يعيّن الرؤساء والوزراء؛ ويتدخلان بالضغوط المختلفة وبشراء الضمائر وحملات التمويل والتهويل، في أي قرارات سلطوية عليا، أو أي انتخابات تجرى، حتى بات اللبنانيون على قناعة بأن سفارة عوكر و"السنكري أبو عمر" وشريكه الشيخ المعمم، يقفون خلف كل تغيير أو تبديل أو تعيين، شهدته السلطة اللبنانية، منذ سنوات عدة. فيما الدول التي تتدخل لمساعدة لبنان مالياً، لا تجرؤ على دفع اي مبلغ من دون إذن، أو أمر أميركي.
ولسنا في هذا المجال نعمل على الحط من قيمة البرلمانيين اللبنانيين، لكن لو أخذنا نماذج محددة من معاناة اللبنانيين وشكاويهم، التي يرفعون اصواتهم بها، من دون أن يحصّلوا بها حقاً أو باطلاً، لكان الجواب أن وجود هذا المجلس من عدمه سيان.
فاللبنانيون تعرضوا لسرقة موصوفة لأموالهم المودعة في المصارف؛ ولم ينجح المجلس النيابي في إعادة تلك الأموال. وكذلك لم يفلح في محاسبة الفاعلين؛ ولا في فرض تنفيذ القوانين التي ترعى العلاقة بين المصارف والمودعين.
كما أن لبنان، كوطن ودولة، تعرض لعملية إفقار وتجويع، سبقت عملية التطويع الجارية، بهدف إجباره على التطبيع مع العدو، الذي احتل أراض لبنانية على مراحل، منذ العام 1948 وصولاً إلى التلال الخمس، التي يوسع العدو نطاقها يومياً؛ وينطلق منها لقتل معالم الحياة ولمنع إعادة الإعمار في القرى والبلدات المحيطة بها.
وفي المقابل، يتحدث قسم كبير من النواب عن هذا الأمر، على سبيل رفع العتب؛ فيما القسم الأكبر منهم لا هم له ولا شغل، غير المطالبة بالخضوع للمطلب الأميركي و"الإسرائيلي"، بنزع سلاح المقاومة أو حصره، أي أن الهم الشاغل لهؤلاء، ليس التمسك بالسيادة الوطنية، بل التخلص من المقاومة لجعل لبنان ساحة ومسرحاً للمطامع "الإسرائيلية"؛ ولسلاحها المقدم لها مجاناً من حكام أميركا. والممنوع على جيش لبنان الحصول على مثيله، للدفاع عن لبنان وأرضه.
حتى حقوق موظفي القطاع العام، الذين يشكل وجودهم فارقاً بين أن يكون لبنان دولة أو شركة خاصة، فشل النواب في تحصيلها، فالمجلس شهد هرجاً ومرجاً لتحصيل نسبة من الزيادة على أساس رواتب موظفي القطاع العام، مدنيين وعسكريين، بما يعدّل من أساس رواتبهم وتعويضاتهم، التي تآكلت بعد أن انخفضت قيمة العملة الوطنية ستين ضعفاً، ففشل النواب في إلزام حكومة "أبو عمر السنكري"، بالتعهد في تحسين تلك الرواتب مع تعويضات نهاية الخدمة. كما فشلوا في جعلها تلتزم بنسبة التحسين وبتاريخ الوفاء بهذا الوعد.
هذا غيض من فيض الفشل، الذي لا يقتصر على أعضاء المجلس النيابي، بل يشمل العهد وحكومته، الذين يطلقون الكلام ونقيضه في وقت واحد؛ ويتسابقون لإرضاء الخارج الذي عينهم في مناصبهم، فيما لبنان يشهد نزوحاً لشبابه وعوائله إلى بلاد الله الواسعة، بحثاً عن وطن يحضنهم ولقمة عيشة كريمة، لم يوفرها لهم وطن الأهل والأجداد.
الأحزاب والنقابات...والتخلّي عن دورها في الدفاع عن المظلومين _ د. نسيب حطيط
ترامب... والعدوان على إيران وأثمان المواجهة _ أمين أبوراشد
حين يُقرَّر استهداف لبنان… لماذا يُطالَب الشيخ نعيم بالصمت؟