أقلام الثبات
تأسست أغلب الأحزاب السياسية بهدف الدفاع عن المواطنين المظلومين، واسترداد حقوقهم من السلطات الحاكمة والأنظمة المستبدة، وقد أعلنت في برامجها التأسيسية أهدافًا سياسية واجتماعية واقتصادية وعقائدية وفكرية، سعيًا لجذب الناس وفتح أبوابها أمامهم للانتساب، وبادرت لاصطياد الأنصار والمؤيدين عبر "صنارة" الدفاع عن حقوقهم وتلبية احتياجاتهم مُعلنة نفسها "جسر العبور" نحو نيل الحقوق ومواجهة النظام جماعيًا لفرض المطالب، سواء عبر التحركات الشعبية السلمية كالمظاهرات والاعتصامات والإضراب عن العمل أو العصيان المدني، أو عبر استراتيجية التغيير السلمي التي تديرها الأحزاب (أو الحزب الواحد) لتعديل النظام أو إسقاطه، والذي قد يتوج بثورة مسلحة.
ظهرت النقابات العمالية بالتزامن مع تأسيس الأحزاب، ثم توسعت لتشمل نقابات الاختصاص على الصعيد الإداري أو المهني، للدفاع عن حقوق منتسبيها وتنظيم أعمالهم، وتصدرتها الاتحادات العمالية حينما كان العمال هم العمود الفقري للاقتصاد وأكبر شريحة مهنية عاملة ومظلومة ومسلوبة الحقوق وبعد أن نجحت الأحزاب في الوصول إلى السلطة وانتقلت من موقع المعارضة إلى موقع الحكم، سارعت لوضع يدها على الاتحادات العمالية والنقابات وكافة أطر التمثيل الوظيفي والاجتماعي والثقافي والطلاب والمهني ، ولجان الأوقاف وربما جمعيات دفن الموتى، في عملية احتواء استباقية لضمان عدم تحرك هذه الكيانات ضدها ،كسلطة حاكمة. لكنها تعود لتحريكها أحيانًا ضمن اللعبة السياسية لخدمة الحزب أو الزعيم، وليس من أجل الناس.
ويتواصل الخداع والاستهزاء بالناس عندما تقوم هذه الأحزاب بشتم الحكومة (التي هي جزء منها وتشارك فيها) وتحميلها مسؤولية التقصير في تلبية الحقوق، وتدعو الناس للتظاهر ضد الحكومة أو مجلس النواب، وهما يتألفان من نفس الأحزاب! فيتظاهر الموظف والنقابي الحزبي، للضغط على الوزير والنائب الحزبي لتلبية مطالبه، وربما يشارك النائب والوزير الحزبي نفسه في المظاهرة أو الخطابة مطالبين الحكومة ومجلس النواب بتحقيق هذه المطالب، وفق المنظومة الأموية "هذا قبر حجر بن عدي رضي الله عنه ،قتله معاوية رضي الله عنه".
انشغلت غالبية الأحزاب والتنظيمات باقتناص الألقاب والمقاعد والوظائف والهيئات التمثيلية الشعبية والنقابية. وهي تتشارك في فرض الضرائب على ناخبيها، ثم تدعو الناس للتصويت لمرشحيها لمنع هذه الضرائب.
تمتنع الحكومة ومجلس النواب، اللذان يضمان وزراء ونواب هذه الأحزاب، عن معالجة الرواتب أو تلبية المطالب المعيشية للمواطنين وفي المقابل، تُصدر هذه الأحزاب بيانات مستنكرة، وينتشر مسؤولوها ونوابها ووزراؤها لإلقاء الخطب ومطالبة الناس بتأمين الحقوق الأساسية كالكهرباء والماء والدواء، ويشتمون الحكومة علناً مع الناس!
إن ما يجري في لبنان حالياً هو أكبر إدانة للأحزاب والنقابات التي تأسست للدفاع عن العمال والبروليتاريا والمحرومين والمستضعفين، عندما أصبحت الجهة الوحيدة التي تدافع عن حقوق الموظفين والقطاع العام (عسكريين ومدنيين) هي "العسكريون المتقاعدون" وتحول العسكري الذي كان يقمع المظاهرات إلى قائد لمظاهرات تطالب بالحقوق ضد "الحزبي" الذي كان "متظاهراً" وصار نائباً أو وزيراً وتحول حزب العسكريين المتقاعدين إلى بديل للأحزاب الشيوعية والناصرية والقومية والاشتراكية والإسلامية في الدفاع عن المظلومين، وذلك لانشغال تلك الأحزاب والتنظيمات بالتحضير للانتخابات النيابية القادمة، بعد أن نجحت في السيطرة على الانتخابات البلدية والاختيارية والنقابية.
ليست الأحزاب هي المسؤولة الوحيدة عن هذا الوضع الشاذ والمتردي، بل يشاركها الشعب الذي يعود لانتخابها رغم عدم تحقيقها لمطالبه، ويظلم الناس أنفسهم لاعتبارات عصبية ومذهبية، فينتخبون الفاسد أو الظالم الذي تخلى عنهم وتركهم لمصيرهم يعانون البطالة والفقر والتهجير، ويندبون أموالهم المسروقة في المصارف، وهي الأموال التي ساهم بعض مسؤولي الأحزاب من مواقعهم الوزارية في تبديدها بعدما قدموا ضمانات وأماناً كاذباً للودائع التي صرّحوا سابقاً أنها محمية بأفضل نظام مصرفي في العالم، ليكتشفوا لاحقاً أنه أفضل نظام يسرق حقوق الناس ويفلت من المحاسبة.
من ينتخب الحزب او النائب الذي تخلى عنه في محنته ويعيد تجديد وكالته ليُسلب ويُحاصر، فعليه أن يصمت ولا يشتكي، فهو الذي أعطى الحبل للنائب ليشنقه بالضرائب ويسرق ودائعه، وتركه مهجّراً خارج قريته أو متقاعداً لا يكفي راتبه لسداد فاتورة الكهرباء أو شراء الخبز.
يقول الله سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) فإذا استمر الناس على عصبيّتهمم الحزبية والمذهبية وظلمهم لأنفسهم، فلن يتغيّر حالهم، بل سينحدرون من سيئ إلى أسوأ، ليصبحوا ممن قال الله فيهم: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
ارفعوا أصواتكم لاستعادة حقوقكم.. وحافظوا على دينكم ولا تنتخبوا الفاسد والكاذب والمقصّر.
الأحزاب والنقابات...والتخلّي عن دورها في الدفاع عن المظلومين _ د. نسيب حطيط
الجمعة 30 كانون الثاني , 2026 02:51 توقيت بيروت
أقلام الثبات
ترامب... والعدوان على إيران وأثمان المواجهة _ أمين أبوراشد
حين يُقرَّر استهداف لبنان… لماذا يُطالَب الشيخ نعيم بالصمت؟
الحرب الأميركية على العالم.. وليست على إيران حصراً ــ يونس عودة