أقلام الثبات
الضربة الأميركية المرتقبة لإيران مؤجلة أو ملغاة، بعد تأجيل سابق بذريعة أن إسرائيل بصدد ترميم وتطوير منظومتها الدفاعية، لكن المفاجئ حالياً، أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو قد ألمح خلال مخاطبته الشعب "الإسرائيلي" منذ ساعات، إلى عدم مشاركة "إسرائيل" بأي عمل عسكري في حال حصول ضربة أميركية على إيران، بصرف النظر عن نوعية وتوقيت الهجوم، ويبدو أن "إسرائيل" حذت حذو دول الخليج في تهيُّب الموقف، بعد التهديد الإيراني بالردّ الشامل، عبر قصف الأهداف والمصالح الأميركية في البر والبحر من الخليج حتى فلسطين المحتلة.
وقد تكون المكالمة الهاتفية التي أجراها وليد العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وتأكيده عدم سماح السعودية باستخدام أراضي ومياه وأجواء المملكة لأي اعتداء على إيران، ما يشير الى مخاوف جدية لدى دول الخليج، من نيَّة إيران توسيع الجبهات عبر الدفاعات الصاروخية للرد على "التأديب" الأميركي لها بالتأديب الموازي.
بدوره بنيامين نتانياهو، بدا متردداً حتى في تحريضه المعتاد على إيران، وخائفاً ربما على مساحة لا تتجاوز 1200 كلم مربع وسط الكيان، تنبسط عليها كافة البنى العسكرية والإستراتيجية "الإسرائيلية"، علاوة على عدم جهوزية الشعب "الإسرائيلي" لحرب مع دولة بمساحة مليون وسبعمائة ألف كلم مربع، تمتلك مدناً من الأنفاق تحت جبالها، فيما حكومة نتانياهو عجزت عن كشف كامل أنفاق قطاع غزة البالغة مساحته 360 كلم مربع، إضافة إلى أن الحرب مع إيران بالنسبة للشعب "الإسرائيلي" هي مغامرة مكلفة على المستوى الشعبي والاقتصادي، من أجل أهداف مجهولة إلاَّ في عقل ترامب وليست قراراً مركزياً أميركياً يُلزم "إسرائيل" برهن مصيرها الوجودي بلا مقابل.
ومع محاولة نتانياهو الفصل بين القرارين الأميركي و"الإسرائيلي" في النظر الى الأزمة مع إيران، أكَّد أن أي عمل عسكري ضد "إسرائيل" سيُواجَه "بقوة لم تشهدها إيران من قبل".
وبصرف النظر عن القدرات العسكرية والتكنولوجية والإلكترونية الأميركية والإسرائيلية، التي تتفوق على إيران، فإن السقف العالي الذي وضعه ترامب في بداية لعبة "الحرب الباردة" مع إيران بهدف إسقاط النظام الإسلامي فيها، دون أن يمتلك بديلاً سوى ابن شاه إيران السابق اللاجئ في الولايات المتحدة ويعرض نفسه ذلك البديل العميل، فإن موقف إيران السياسي على المستوى الدولي أقوى من موقف ترامب ونتانياهو، ورغم الوضع الاقتصادي المتردي في إيران، لم يستطع ترامب تحريض التظاهرات الشعبية الإيرانية للانقلاب على النظام ودفع الشعب الإيراني إلى وضع يده على المؤسسات الحكومية.
إيران أقوى سياسياً على المستوى الدولي، لأنها تعرض حل أزمة الملف النووي الإيراني الذي أبرمه أوباما عام 2015 وألغاه ترامب عام 2018، كما أن اختلال ميزان القوى السياسي الدولي ضد ترامب ونتانياهو لصالح إيران لا يعود لقوتها الدبلوماسية في دغدغة مشاعر الخارج، بل لضعف موقف كل من ترامب ونتانياهو نتيجة ارتكاباتهما "الجرمية" الأخيرة، بدءاً من غزة ولبنان وسوريا (إسرائيلياً) واليمن وإيران وفنزويلا وغرين لاند وكندا وبنما (أميركياً)، خاصة بعد الأزمة غير المسبوقة بين أميركا وأوروبا في "منتدى دافوس الاقتصادي" الأخير.
ولإيجاز مسألة الخلل في ميزان القوى السياسي، فإن نتانياهو لم يعد بإمكانه التباكي على معاداة السامية، وأن الشعب اليهودي هو دائماً أضحية على مذبح النبي إبراهيم، لأن كيانه التوسعي الزاحف نحو حلم "إسرائيل الكبرى" قد مزَّق الشرق الأوسط، والاعتداءات الوحشية على فلسطين ولبنان وسوريا من منطلق أمن "إسرائيل"، والتحالف مع الإرهاب في سوريا لنحر الأقليات، لم يعُد إنجازاً لتحقيق الاستقرار الإقليمي، بل تهديداً للأمن العالمي والأوروبي بشكل خاص نتيجة أزمة المهاجرين واللاجئين الذين ضاقت بمشاكلهم الدول الأوروبية.
كذلك الأمر بالنسبة لصورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بات على صورة ومثال "المجرم الدولي" منذ وصوله إلى الحكم في ولايته الثانية، وتغيير اسم "وزارة الدفاع" في بلاده إلى "وزارة الحرب"، وتحقيق السلام عبر القوة، وأعلن من دون حرج رغبته في تغيير أنظمة دول معينة والاستيلاء على أخرى.
وقبل أن يستفيق العالم من صدمة مشاهدة رئيس فنزويلا مكبلاً بالأغلال في نيويورك، عاد ترامب ليؤكد أنه لن يتراجع عن عزمه السيطرة على جزيرة غرينلاند وضمّ كندا، واعتلى منبر دافوس وأوسع أوروبا تحدياً وتهكماً وتهديداً، مما استفزَّ القادة الأوروبيين، خصوصاً في قوله: "الناتو لا شيء بدون أميركا".
وذهب بعض القادة الأوروبيين بعيداً في إبداء الخوف من تداعي مداميك النظام العالمي وانهيار الأخلاقيات لصالح القوة، خاصة بعد تشكيل ترامب لما يسمى "مجلس السلام" لإدارة ملف غزة، وتقويضه لأركان مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة، بل انخرط قادة دول مهمة في رثاء المنظومة الدولية، وأعلنوا أنه لا مناص من مواجهة الغطرسة في عصر تمتلك فيه القوة كلمة الفصل في الاستيلاء على الثروة وتغيير الحدود.
رسائل قاسية عديدة تلقاها ترامب بعد منتدى دافوس، رداً على مواقفه الاستعلائية وقراراته المتعجرفة، من كندا ومن دول أوروبية ذات وزن في حلف الناتو والإتحاد الأوروبي على خلفية محاولته الاستيلاء على غرين لاند، ما دفع ببعض أعضاء الوفود على هامش منتدى دافوس إلى التساؤل، ما إذا كان نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أكثر دكتاتورية من ترامب، أم أن نظام الثورة الإسلامية في إيران أكثر خطراً على أمن العالم من النظام الديمقراطي الأميركي عندما يكون على رأس هذا النظام مجنون عظمة مثل ترامب...
الأحزاب والنقابات...والتخلّي عن دورها في الدفاع عن المظلومين _ د. نسيب حطيط
حين يُقرَّر استهداف لبنان… لماذا يُطالَب الشيخ نعيم بالصمت؟
الحرب الأميركية على العالم.. وليست على إيران حصراً ــ يونس عودة