أميركا ترامب... من "القوة الناعمة" إلى الاستقواء الأرعن ــ أمين أبوراشد

الأربعاء 28 كانون الثاني , 2026 08:01 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

تمتلك بعض قيادات الدول الأوروبية هامش الحرية في مقارعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما يتخطى حدوده، أو " الخط الأحمر"؛ كما وصَّفت الأمر مصادر حكومية ألمانية في تعليقها على كلمته في الدورة 56 لمنتدى "دافوس" الاقتصادي العالمي في سويسرا، والتي انتهت أعمالها يوم الجمعة الفائت، وسط أجواء من التوتر غير المسبوق، عندما حوَّل ترامب المنتدى من ساحة نقاش اقتصادي إلى ميدان مواجهة مفتوحة مع الإتحاد الأوروبي بشأن مصير جزيرة غرين لاند، حيث بدا وكأنه يقف أمام منبر مزاد علني للاستحواذ على عقار.

وخطاب ترامب الذي دام ساعة كاملة أمام قادة الدول ورؤساء الشركات الكبرى يوم الأربعاء، اعتبره البعض بمثابة إعلان "حرب باردة" عابرة للأطلسي،  مع أن ترامب نفى صراحة استخدام القوة العسكرية بقوله "نحن لا نحتاجها، رغم امتلاكنا القدرة"، إلا أنه حاول فرض هيمنة عبر الاقتصاد والأمن دون احتلال مباشر، ما استدعى قمة طارئة في بروكسل الخميس، درس فيها الاتحاد الأوروبي فرض حزمة رسوم جمركية مضادة على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو (108.74 مليار دولار)، إلى جانب بحث تدابير مناهضة للإكراه، في حال مُضيّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قدماً في فرض تعريفات جمركية كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير/ شباط ضد ثماني دول أوروبية، على خلفية رفضها مساعيه للسيطرة على غرين لاند.

واجتمع الزعماء الأوروبيون في قمة مساء الخميس، لبحث خيارات التعامل مع مواقف الرئيس الأميركي، وذلك قبل أن يتراجع ترامب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية أو حتى اللجوء إلى عمل عسكري لضم غرين لاند، ما دفعهم إلى العدول عن التصعيد، واكتفوا بالردود التي تحمل الامتعاض من أدائه غير المقبول كشريك غير موثوق.

فعلاً، وقف ترامب على منبر منتدى دافوس الاقتصادي، وكأنه في بازار مزاد علني للفوز بصفقة غرين لاند، وهدد قادة أوروبا المعارضين لهيمنته وقال: "الناتو لا شيء بدون أميركا"، وانهمرت عليه الردود العنيفة وأبرزها من رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني التي أجابته:
اقتلعوا قواعدكم العسكرية من أراضينا ومياهنا، أوقفوا اتفاقياتكم التجارية معنا، وأقفلوا حتى شبكة مطاعم ماكدونالدز في أوروبا، التي تعتبرونها رمزاً للقوة الناعمة لديكم.

ومصطلح "القوة الناعمة" أطلقه عام 1990 عالِم السياسة جوزف ناي، ويتلخص بقدرة كل دولة الحصول على ما تريد عبر "الجاذبية" عوضاً عن "الإرغام"، ويقول حلفاء أميركا ومريدوها عبر العالم، إن الرؤساء الأميركيين ما قبل ترامب انتهجوا "القوة الناعمة" القائمة على ثلاث ركائز: ثقافة نهضتها، وقِيَمها الديمقراطية،  وسياستها الخارجية التي تعتمد على الرقَّة في التعامل مع الحلفاء، والتي كانت تُرى من البعض أنها سياسات شرعية وأخلاقية، واعتمدت أميركا لسنوات على سياسة "القوة الناعمة" مع الحلفاء باستثناء ولاية ترامب الأولى، ثم في ولايته الحالية، حيث وَصَم سياسة بلاده الخارجية بما لديه من استعلاء رغم النكسات التي يُمنى بها، والتي كانت آخرها الانتفاضة الأوروبية المُوحَّدة بوجهه نتيجة فوقيته في طرح مسألة غرين لاند.

سكان الدنمارك وغرين لاند تهافتوا بالتزامن مع عقد مؤتمر دافوس لشراء وارتداء قبعات تسخر من شعار ترامب: Make America Great Again، بشعار: Make America Go Away، ونفدت هذه القبعات من الأسواق رغم الكميات الضخمة التي طُرحت للبيع.

أما في المواقف السياسية للقادة الأوروبيين، فإن موقف فرنسا لم يكتفٍ بتحفظ الرئيس إيمانويل ماكرون على تشكيل "مجلس السلام" في غزة الذي سيترأسه ترامب، بل أطلٌَ الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند وحثّ فرنسا والإتحاد الأوروبي على مبادلة ضرائب ترامب بضرائب مضادة.
ألمانيا من جانبها، أعلنت وزارة خارجيتها أن استفزازات ترامب وصلت الى "الخط الأحمر"، فيما النائب البريطاني إدوارد ديفي قال في جلسة علنية أمام البرلمان، إن ترامب رجل عصابات وفاسد، فيما رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ريفر قال إن كرامتنا ليست للبيع.

واستعلاء ترامب في منتدى "دافوس" انعكس وبالاً أوروبياً جامعاً عليه، ألزمه بالتراجع المهين عن كل تهديداته خاصة الضريبية منها، وليس وضعه في الشرق الأوسط أفضل حالاً، من سوريا إلى إيران مروراً بالعراق الذي شهد وسيشهد تغييراً جذرياُ في السياسات الحكومية العامة، بعد تزكية اسم رئيس الحكومة السابق نوري المالكي لتشكيل حكومة جديدة.

في سوريا، تنطبق على وضع ترامب نظرية "لا أحد يمكنه الاعتداء على أميركا، لكن يمكن لخصمها أن يُغرقها في التفاصيل"، والتفصيل الأهم في سوريا اليوم، أن ترامب أباح للكيان "الإسرائيلي" كل الجنوب السوري، وأباح لتركيا كل الشمال، وانقلب على قسد في ساعات والانقلاب على الحلفاء/الأدوات في المفهوم الأخلاقي الأميركي مسألة معروفة، منذ فيتنام حتى أفغانستان، وأزمة ترامب في سوريا حالياً كيف يُوفِّق بين مصالح "الحليفين" في الكعكة السورية.

في إيران، الوضع الأميركي صعب نتيجة استعلاء ترامب وتعليته لسقف مطالبه التي بلغت حدود الحلم بإسقاط النظام الإيراني، وهذا من سابع المستحيلات، ومهما بلغت القدرات التدميرية الأميركية، فإن ترامب أمام دولة مترامية بمساحة قارة، وأعلنت أنها مستمرة في تخصيب اليورانيوم، وفي تأهيل قدراتها الصاروخية وقواعدها الدفاعية في أحضان الجبال، إضافة إلى الدعم المعلن من الصين وروسيا، وقد تكون إيران صاحبة الدرس النهائي الذي سيتلقنه ترامب، ولكن بعد تدمير "إسرائيل" والمنشآت الأميركية في دول الخليج، ولن تسلم هذه الدول من إرهاصات الغضب الإيراني، وقد تنال نصيباً مباشراً من الصواريخ الإيرانية على مرافقها الهامة.

في العراق، دفعت قسد ثمن رفضها الهجوم على الحشد الشعبي العراقي بالتزامن مع العدوان على إيران، وتطوَّع أحمد الشرع بذلك، وتم "بيع" قسد و"شراء" الشرع في سوق الغدر الأميركي وحصلت المفاجأة بقرب قدوم نوري المالكي إلى الحكم في العراق، وتناولت وكالات الأنباء مؤتمره الصحفي الذي تناول خلاله حقيقة "الجولاني أحمد الشرع" وجرائمه الإرهابية بحق الشعب العراقي، وأنه خريج سجون العراق، وتساءل المالكي في مؤتمره: كيف لإرهابي مثل الجولاني أن يسيطر على سوريا، ويتسبب في انهيار الدولة والجيش فيها ويُسلِّمها للتركي و"الإسرائيلي"، بل كيف يمكن لصاحب فكر تكفيري أن يحكم بلداً متنوعاً مثل سوريا ذات التعدد الديني والعرقي؟ والجواب واضح لدى كل المتابعين: نوري المالكي الذي تتحفظ أميركا على عودته إلى الحكم، هو خيار شعبي عراقي لن تستطيع عنجهية ترامب الوقوف بوجهه، خاصة أن المالكي بالذات كان شاهداً على حذاء منتظر الزيدي ينطلق من يده المباركة على وجه جورج بوش الابن خلال مؤتمر صحفي في بغداد بتاريخ 14 ديسمبر/ كانون الأول من العام 2008، وما زال لدى العراق أبطال مباركين شرفاء من أمثال منتظر الزيدي.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل