أقلام الثبات
إن التعريف العام للدولة - كمصطلح - يشير إلى أنها كيان سياسي - سيادي يجمع بين ثلاثة عناصر أساسية: الحكومة، والشعب، والإقليم، وإذا غاب أحد هذه العناصر تصبح الدولة منقوصة وغير قائمة، فكيف الحال إذا أسقطت الدولة مواطنيها من دائرة حمايتها، وأعلنت تبرؤها من مسؤولية حمايتهم، ونزعت سلاحهم، ومنعتهم من إعادة بناء قراهم، بالتزامن مع تنازلها عن جزء من أراضيها لصالح الاحتلال "الإسرائيلي" والقواعد الأمريكية في "عوكر" وحامات والبريطانية وغيرها؟
هذا الوضع يلغي عنصرين أساسيين من الدولة: الشعب، أو جزءاً منه، وجزءاً من الأرض، مما يحوّل الدولة إلى كيان أشبه بـ"دولة عرجاء، عوراء، وبَتراء"، أي "دولة معاقة" ، ولا يمكن التعامل مع العنصر المتبقي (الحكومة) كحكومة شرعية يجب طاعتها أو تنفيذ أوامرها، خصوصاً التي تخدم العدو "الإسرائيلي" قصداً أو سهواً، فالحكومة التي تدير دولة ذات سيادة واستقلال لا يمكنها أن تجرّد مواطنيها من سلاحهم وتفجر ذخائرهم ولا تستطيع أو لا ترغب في تأمين حمايتهم، تاركة إياهم عُزَّلاً، ليقتلهم العدو ويدمر بيوتهم ويحرق أرزاقهم، مما يجعلها حكومة "متعاونة" مع الاحتلال، بشكل صريح أو غير مباشر، لاقتلاع المقاومة وقهر أهلها.
يردّد الكثيرون خطأً شائعاً؛ بعدم مسؤولية الدولة اللبنانية عن إعمار وتعويض الخسائر التي ألحقها العدوان "الإسرائيلي"، بحجة أن المقاومة هي التي خاضت الحرب وليست الدولة، وبالتالي فمن حارب عليه أن يعمر، وهذا الموقف هو الأخطر، لأنه يقول ببراءة العدو من جرائمه، ويتناسى هؤلاء أن المقاومة كانت رد فعل متأخر على الاجتياحات "الإسرائيلية" المتكررة وعلى مؤامرة الحكومة اللبنانية عام 1969 ضد أهالي الجنوب؛ حينما تنازلت في اتفاق القاهرة، والمفارقة أن رئيس الحكومة اللبناني الحالي يتباهى بأن الحكومة استعادت سلطتها التي فقدتها عام 1969، دون أن يذكر من أفقد الحكومة سلطتها... هل هم أهالي الجنوب (الشيعة)، أم الحكومة اللبنانية التي لم يكن للشيعة فيها قرار؟
في عام 1969، تنازلت الحكومة اللبنانية، بناءً على طلب عربي وليس إيرانياً، عن سلطتها لصالح المقاومة الفلسطينية، دون استشارة أو إذن من أهالي الجنوب الذين وجدوا أنفسهم تحت سلطة المقاومة والكفاح المسلح الفلسطيني، وتحت القصف والاجتياحات "الإسرائيلية"، وأصبحوا أيتاماً سياسيين لا يحميهم أحد، مما اضطرهم لحمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم وأرضهم التي احتلها العدو حتى استطاعوا تحريرها على يد المقاومة عام 2000.
بعد التحرير، أعادت المقاومة بناء الدولة اللبنانية باستعادة عنصر "الأرض" بعد التحرير، وعنصر "الشعب"، بعد تخليصه من الاحتلال، كما أعادت الانتظام للمؤسسات الدستورية بشكل حر، ما أدى إلى انتخاب البلديات والمجالس النيابية وتشكيل الحكومات، فعادت الدولة اللبنانية مستقلة، بعدما كانت أشبه بـ"شركة مساهمة" تحكمها "إسرائيل" والفلسطينيون، والشركات متعددة الجنسيات؛ العربية والغربية، وعندما عادت الدولة "دولةً" بالمعنى الاصطلاحي والميداني واشتد عودها، بادرت لنزع سلاح المقاومة والقضاء عليها؛ في أسوأ عملية غدر وقلة وفاء من الحكومة وبعض حلفاء المقاومة، وعادت إلى حالتها القديمة؛ دولة "ناقصة" من عنصري الشعب والإقليم.
لا يحق لأي دولة أن تتبرأ من مواطنيها وتنزع سلاحهم دون إيجاد بديل!
لا يحق لأي دولة أن تمنع إعمار بيوت مواطنيها!
لا يحق لأي دولة أن تكون ذراع العدو لكشف الأنفاق وتفجير الصواريخ، وأن تعجز عن إطلاق رصاصة واحدة باتجاهه لمنعه من التوغل ومع إدراكنا لعجزها العسكري، ولن نطالبها بالانتحار، ولكن نطالبها بالتعقل والوطنية وألا تبادر لنزع السلاح الذي سيكون نصير الدولة وجيشها كما كان في السابق.
الحكومة التي لا تعترف بمواطنيها في الجنوب ولا تبادر لمساعدتهم، لن يعترف بها أهل الجنوب ولن يمنحوها الشرعية، ولن ينفذوا أوامرها "شمالي الليطاني"، لأنه لا يمكن لأي عاقل أن يوقع على قرار إعدامه أو تسليم نفسه للعدو!
أهل الجنوب هم ضحايا الاحتلال "الإسرائيلي"، وضحايا الحكومات اللبنانية التي باعتهم للحفاظ على السلطة، كمن يبيع أولاده ليلعب القمار ويشرب الخمر وهم ضحايا القرارات الدولية التي تُطبق بحزم ضدهم، بينما تُعطّل تجاه العدو.
أهل الجنوب هم شهداء تمسكهم بالعقيدة، وشهداء الوفاء للقضية الفلسطينية، وشهداء النخوة لمساندة المظلومين، وأهل الجنوب شهداء المبادئ والصدق والإخلاص... وسيبقون صامدين رغم كل التضحيات والأثمان الباهظة وغدر الحلفاء، مترقبين الفجر الآتي الذي لن يتأخر بإذن الله، وسيعود المقاومون الشرفاء قادرين على حماية أهلهم الذين تخلت عنهم الحكومة في سبيل السلطة.
في عام 1969، باعت الحكومة اللبنانية أهل الجنوب للمقاومة الفلسطينية، وفي عام 2025، باعتهم للعدو "الإسرائيلي"!
لا وجود ولا اعتراف بدولة تتبرأ من مواطنيها... وتتآمر عليهم ــ د. نسيب حطيط
الإثنين 26 كانون الثاني , 2026 09:22 توقيت بيروت
أقلام الثبات
ترامب لأوروبا: "إسرائيل" حليف نموذجي ــ د. ليلى نقولا
تفوُّق منتجات المعلومات والاتصالات الروسية على نظيراتها الغربية _ حسان الحسن
نزع السلاح بين "النهرين"... نهاية المقاومة المسلحة ــ د. نسيب حطيط