نزع السلاح بين "النهرين"... نهاية المقاومة المسلحة ــ د. نسيب حطيط

السبت 24 كانون الثاني , 2026 10:12 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تُمثل قضية نزع السلاح في المنطقة الواقعة شمالي الليطاني حتى نهر الأولي نقطة تحول محورية في تاريخ الصراع "الإسرائيلي" - اللبناني، الذي ظل مشتعلاً منذ احتلال فلسطين، ولم تُسكت جبهته رغم أن جميع الجبهات العربية سكتت بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، ولايزال بعد توقف الجبهة الفلسطينية.
بقيت المقاومة اللبنانية آخر حركات المقاومة التي احتفظت بسلاحها، واضطرت، التزاماً بوقف إطلاق النار والتغيّرات الإقليمية، لإبقائه دون استخدامه، رغم أن اتفاق تشرين 2024 منحها حق الدفاع عن النفس، وهي اليوم تعيش محصورة بين ضغوط "إسرائيلية" - لبنانية وأخرى أمريكية وغربية وعربية.
قبل أكثر من 40 عاماً، كان الهدف من الاجتياح الإسرائيلي، إبعاد الصواريخ الفلسطينية بمسافة 40 كيلومتراً، وأن يتوقف الغزو عند حدود الزهراني، لكن نتيجةً للانهيار السريع للمقاومة الفلسطينية، ومطالبة الأحزاب اليمينية المتحالفة مع "إسرائيل" باستكمال الغزو واستثماره سياسياً للسيطرة على الحكم ونفي المقاومة الفلسطينية، واصل جيش العدو غزوه واحتل العاصمة بيروت، حيث نُصِّبَ رئيس للجمهورية واستلم السلطة.
تعيد "إسرائيل" اليوم تنفيذ مشروعها الذي أفشلته المقاومة عام 2000، بعد 18 عاماً من القتال والممانعة السياسية، لكن بوسائل مختلفة، إذ تسعى إلى إبعاد المقاومة واجتثاثها حتى نهر الأولي دون اجتياح بري، بل بنموذج جديد يعتمد على "الاجتياح الجوي" بالتوازي مع اجتياح سياسي لبناني، بادر لنزع الشرعية عن سلاح المقاومة، ومنع الإعمار، وشن حرباً معنوية ونفسية؛ بتسخيف السلاح وإنجازاته، والادعاء بانتفاء جدواه لزوال أسباب وجوده؛ ضمن حملة تزوير وتشويه وافتراء تحاول محو الحقائق التي يعترف بها العدو وتنكرها السلطة السياسية في لبنان.
إن نزع سلاح المقاومة أو تسليمه في المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي، سيُنهي الصراع الممتد في لبنان منذ أكثر من 70 عامًا، ويُعلن نهاية المقاومة المسلحة اللبنانية ضد العدو، بعد نجاح "إسرائيل" في إنجاز المرحلة الأولى جنوبي الليطاني، فإذا نجحت "إسرائيل" في مشروعها حتى نهر الأولي، فإن المنطقة الفاصلة الممتدة من الأولي حتى الضاحية الجنوبية ستسقط عمليًا لغياب أي مقاومة مسلحة فيها، مما يحصر المقاومة في الضاحية والبقاع  وبحكم الجغرافيا، لا تشكل الضاحية الجنوبية جبهة تهديد أو قاعدة عسكرية للمقاومة، بل يقتصر دورها على احتضان الإعداد والتعبئة والإمداد وسيسقط دورها تلقائيًا ،إذا سقطت المقاومة المسلحة جنوبي النهر وشماله، وتكون "إسرائيل" قد ربحت حربًا "نموذجية" دون خسائر أو اجتياح بري، مكتفية بغارات وبعض الصواريخ، وتؤسس لجيل جديد من "الحروب النظيفة" التي تعتمد على الاجتياح الجوي والتآمر السياسي الداخلي.
إن المقاومة أمام أربعة خيارات:
-  الخيار الأول: الخضوع لمطالب "إسرائيل" والحكومة اللبنانية بتسليم السلاح طواعية أو نزعه بتعاون ثنائي "إسرائيلي" - لبناني، دون الحصول على أي مقابل سياسي أو أمني أو إعمار للبلد وعودة المهجرين، وهو أسوأ الخيارات.
- الخيار الثاني: المواجهة المسلحة على جبهتين؛ داخلية مع الجيش اللبناني والفتنة، أو خارجية بمواجهة العدو "الإسرائيلي"، أو ربما كلتا الجبهتين معًا.
- الخيار الثالث: إجراء مفاوضات بين المقاومة والسلطة السياسية كوسيط وجسر تفاوضي مع الطرف الأمريكي - "الإسرائيلي"، لمقايضة السلاح بين النهرين بهدنة طويلة لا تقل عن 20 أو 30 عامًا، ووقف العدوان "الإسرائيلي"، والتعهد بإعمار القرى المدمرة وعودة المهجرين وهو من الخيارات الوسط.
- الخيار الرابع: أن تحتفظ المقاومة بسلاحها شمال الليطاني تحت رقابة الجيش اللبناني أو لجنة دولية عربية، بانتظار تنفيذ العدو "الإسرائيلي" للاتفاق وتثبيت الهدنة الطويلة، مع تعهد المقاومة بعدم استخدام السلاح إلا دفاعًا عن النفس وعدم إسناد أي جبهة خارج الحدود اللبنانية. ويمكن، بعد فترة تجريبية مدتها خمس سنوات، تسليم السلاح أو إعادته إلى مصادره أو وفق ما تراه المقاومة مناسبًا، كمنحه للجيش أو خلاف ذلك وهو افضل الخيارات.
إن انزلقت المقاومة إلى فخ ما حدث في جنوب الليطاني، وتصرّفت شماله كما تصرفت جنوبه، فستكون  من الأخسرين اعمالا فلا هي احتفظت بسلاحها ولم تستطيع مقايضته، وستفقد تضحيات وإنجازات سبعين عامًا من شهداء وانتصارات وأحزان وأرزاق. لذا، لا بد من تغيير استراتيجية المواجهة لتكون أكثر وضوحًا وموضوعية وشجاعة، دون خوف من فتنة داخلية إذا كان ثمنها إطفاء المقاومة، ولا من مواجهة عسكرية مع العدو إذا كان ثمنها استعباد المقاومين وأهلهم واستعمار لبنان مدى الحياة. 
ما زلنا نمتلك أوراق قوة عديدة يمكن توظيفها لتحسين الشروط وحفظ ما تبقى، بشرط الاستغلال الأمثل للتوقيت والتفاوض ضمن خطة مدروسة، بعيدًا عن المياومة السياسية المتخبطةأو الانشغال بأمور ثانوية كالانتخابات والتعيينات والأرباح الدنيوية.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل