أقلام الثبات
لم يكن الخطاب السياسي الحالي للعديد من القوى اللبنانية, اكانت تملك حيثيات او كانت مجرد ظواهر صوتية، قد شهد سوابق على هذا القدر من الانبطاح والتبعية اللامتناهية، او وصل الى المقدار الماثل من زعزعة المناعة الوطنية , وترويج رواية العدو ورعاته, بلا اي خجل من الانتماء للأعداء, بذرائع لا تستقيم مع العقل, بانها الطريقة الوحيدة الممكنة للخلاص, لكن الاخطر من ذلك ان يصبح الخطاب المشار اليه جزءاً من سلوك على مستوى سلطات استمدت الثقة بها ,من رجحان العقل في مقاربة القضايا الوطنية المحورية, بغض النظر عن التطلعات الخاصة, واستلهام افكار دخيلة على التكوين الوطني، خصوصاً من اعتى دولة ترهيب في العالم , الا وهي الولايات المتحدة الاميركية.
لقد اخذت الحكومة اللبنانية فرصة كاملة على مدى سنة وأكثر لإقناع اللبنانيين بانها تستحق الثقة في معالجة العدوان الصهيوني على لبنان , وان اميركا "الضامنة "لاتفاق وقف الاعمال العدائية, وانسحاب قوات الاحتلال وكل مندرجات الاتفاق ,يمكن الثقة بها , لكن الوقائع عاكست التمنيات والخطابات , ليس لان السياسة الاميركية معجونة بالأكاذيب فقط , بل لان مجاراة تلك السياسة زادت من تفاقم منسوب التبعية , وصولا الى "سكتشات" التبرير الاسود.
ان مناطق متعددة في العالم عرضة للاغتصاب الاميركي بما فيها ذوي القربي , ابناء الحلف الاطلسي، خصوصاً الاوروبيين الذين أطلقوا همسا ,فصوتا مسموعا, برفض الاستحواذ الاميركي على جزيرة غرينلاند الدانمركية بحجة حاجة اميركا لها لأمنها القومي ,مقابل مبلغ المليار دولار الذي لا يذكر مقارنة بالإمكانات الهائلة لاستخراج المعادن الحيوية، مثل خامات اليورانيوم، والمعادن الأرضية النادرة، والموليبدينوم، والغرافيت، والنفط".
لقد أقدم ترامب المهووس على فرض رسوم عقابية بنسبة 10% بدءا من شباط المقبل ضد صادرات ثماني دول أوروبية (الدنمارك، النرويج، السويد، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، هولندا، وفنلندا)، على أن ترتفع النسبة لاحقا إلى 25%، بحيث تظل سارية المفعول حتى توافق الدنمارك على بيع غرينلاند للولايات المتحدة.
لقد ردت الدول الأوروبية الـ8، على اجراءات ترامب بخفر بأن "الرسوم الأمريكية قد تؤدي إلى تقويض العلاقات عبر الأطلسي وتنذر بانحدار خطير". وتعهدت الدول الثماني بمواصلة "تنسيق ردها" على الإجراءات الأمريكية التي انتقدتها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا، ووصفت هذه الخطوة بالخاطئة, أن رغبة بعض الدول الأوروبية في نشر قوات لا ينبغي تفسيرها كمبادرة موجهة ضد الولايات المتحدة، و"يبدو أن هناك مشكلة في التفاهم والتواصل المتبادل، مع التأكيد على دور الناتو، فهو المكان الذي يجب أن نحاول فيه تنظيم أدوات الردع بشكل مشترك ضد التدخل العدائي في أراضٍ ذات أهمية استراتيجية".
السؤال المقلق لدى الشعوب الاوروبي يتمحور حول امكانية ان ترضخ الدول الأوروبية للضغوط الأمريكية في ملف غرينلاند، مما يؤدي الى سيطرة واشنطن على الجزيرة الغنية بثرواتها , ما يؤدي الى مزيد من اخضاع الاوروبيين بحيث يصبح فقدان السيادة وتهميش المصالح الوطنية كتابعين ما يجعل قرارات الحكومات المحلية مرهونة بالمتطلبات الاستراتيجية والمصالح الخاصة لواشنطن، حتى لو كانت تلك القرارات تتعارض بشكل مباشر مع المصالح العليا للدولة وشعبها، وهذا يضع اعباء على السياسة مقابل اميركا ذات الطبيعة العدوانية على كل المستويات بما فيها المستوى العسكري, وبالتالي الانجرار لحروب أو صراعات لا تخدم إلا المخططات الأمريكية، مع تحمل الدول التابعة لجزء من التكاليف والمخاطر المترتبة على الوجود العسكري الأجنبي.
ان أخطر الاهواء السياسية الضالة ,هو القبول بالتبعية التي تحول الدول إلى مجرد أدوات في يد القوة المهيمنة، تتأثر بقراراتها المتغيرة وتوجهاتها الأحادية دون اعتبار لاستقلالية قرارها أو مصير شعبها.
إذا سلمنا جدلا, وببراءة ,بان الرياح الاميركية لن تجر كما تشتهي السفينة اللبنانية ,وهي حتما كذلك , فهل من الجائز ,ان يطلب من الناس قبول روايات خيالية, واعتناقها على انها وقائع عاقلة, فذلك قمة الخطر في التضليل ,سيما انها تتعلق بمصير وطن,, والتجربة ماثلة وبقوة .
بلا أدنى شك، الوطن اللبناني عالق في مخاض صعب, وهو يتخبط للخروج من المآزق المجللة بحقائق مرة , ومخاطر جسيمة تحيق به ,لكن ليس من الجائز ان تبيح توجهات شخص ما ,السياسية أو ماضيه أو شخصيته تشكّيل أساس قانوني لرهن الوطن تحت الارهاب الصهيوني لرغبات واشنطن وتل ابيب.
إن اي خطاب بأبعاد وطنية يصدر ك "حكم مبرم" ,قبل اكتمال المعطيات ووضوحها, ويزاوج مع ممالأة من يشهر عداءه ويمارس خبثه, فاضحا ومفضوحا, بهدف الاخضاع , فانه بلا أدنى شك خطاب يؤجّج التوتر المجتمعي, ويتعمد قطع الطريق على اي مراجعة دقيقة وشفافة بعيدا عن التأثير السياسي النفعي الخاص، لانه من المعروف ان من يسير وفق ارادة الاخرين لن تكون له افكار ابداعية خاصة للتخلص من التبعية بموازاة تفاقم انعدام الثقة وتراجع التعاون ,بسبب فقدان السيادة وتهميش المصالح الوطنية.
السؤال الذي يمكن ان يراود اي شخص اكان بسيطا , او متعلقا بقضايا انسانية واخلاقية ووطنية , ونذر حياته في الكفاح من اجل تلك القضايا ,هل يمكن ان تكون اميركا عموما ورئيسها دونالد ترامب خصوصا يمتلك حظا استثنائيا لممارسة عمليات السطو على العالم , دون ان يصرخ أحد بوجهه "أن لا".. وكفى.
"الاغتصاب" الأميركي.. والقدرة على الرفض ــ يونس عودة
الثلاثاء 20 كانون الثاني , 2026 09:55 توقيت بيروت
أقلام الثبات
هل تنقل أمريكا تجربتها في سوريا.. لتنصيب حاكم جديد على العراق؟ ــ د. نسيب حطيط
مفاجآت ايرانيّة بانتظار ترامب.. هل تردّ الصّين من طهران؟! _ ماجدة الحاج
تعيين غراسيا قزّي: حين تُغلَّب المحسوبيّة على المحاسبة