معضلة أوروبا: حين تأتي "الطعنة" من الحليف ــ د. ليلى نقولا

الإثنين 19 كانون الثاني , 2026 10:22 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

لطالما عاشت القارة الأوروبية، وتحديداً منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، في حالة من التحشيد العسكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي الموجَّه حصراً نحو الشرق. استنفرت العواصم الأوروبية، وضخّت المليارات في ميزانيات الدفاع، وأعادت هيكلة عقيدتها العسكرية بناءً على فرضية وحيدة: "الخطر الروسي قادم".. ولكن، وفي مشهد يعكس قمة المفارقة السياسية وسوء التقدير الاستراتيجي، استيقظ الأوروبيون ليجدوا أن التهديد الوجودي لسيادتهم ووحدتهم الاقتصادية لم يأتِ من موسكو، بل من الإدارة الأميركية.

وقعت أوروبا في فخ "التبعية الأمنية" الكاملة للولايات المتحدة خلال فترة الرئيس جو بايدن، وساروا في مسار الحرب مع روسيا، وفي قلب اوروبا، بالرغم من توافر إمكانية إبعاد شبح الحرب عبر مسار دبلوماسي، كان ممكناً بالرغم من صعوبته. كانت المطالب الروسية بتحييد أوكرانيا والاعلان عن عدم انضمامها الى حلف شمالي الأطلسي أقل كلفة من الحرب، لكن الأوروبيين اعتقدوا بقدرتهم على هزيمة روسيا بسرعة، وتفكيكها؛ كما حصل مع الاتحاد السوفييتي السابق.
لكن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وإعلانه الرغبة في ضم غرينلاند ستقلب المعادلات الأوروبية. تشكّل غرينلاند أهمية كبرى لاستراتيجية القطب الشمالي الأميركية، حيث تشكّل مخزوناً استراتيجياً للمعادن النادرة الضرورية للصراع التكنولوجي القادم مع الصين، ونقطة ارتكاز حيوية في السيطرة على ممرات الملاحة الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد.

وعليه، إن ما نشهده اليوم من تهديدات أميركية بفرض تعريفات جمركية عقابية على الدول الأوروبية التي تدعم موقف الدنمارك الرافض لبيع الجزيرة، يمثل ذروة "الإكراه الاقتصادي" بين الحلفاء، لكن واقعياً، مهّد الأوروبيون أنفسهم الطريق لهذا التعامل الأميركي معهم. ففي وقت سابق، كرّست رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، سابقة خطيرة، حين هرعت لتوقيع اتفاقيات تجارية غير متكافئة لتجنب الرسوم الجمركية على السلع الأوروبية، خصوصاً السيارات.

في ذلك الاتفاق قبلت أوروبا بشراء الغاز المسال الأميركي بأسعار مضاعفة، وفتحت أسواقها للمنتجات الزراعية الأميركية من دون تعريفات، مقابل تخفيض التعريفات الجمركية الأميرية الى 15%، بدل 30% كان ترامب قد هدد بها، لكن ذلك كان بمنزلة شراء "هدنة تجارية" مؤقتة، حيث يعود ترامب اليوم للتهديد برفع تلك التعريفات من جديد.

بعثت السياسات الأوروبية برسائل ضعف مفادها: "أوروبا مستعدة للدفع مقابل الحماية الأميركية العسكرية، ومستعدة للتنازل عن مصالحها الاقتصادية مقابل الرضا الأميركي".

النتيجة، إن الأزمة الحالية حول غرينلاند والتعريفات الجمركية تكشف عدم قدرة الأوروبيين على تحقيق شعار "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، وتجد أوروبا اليوم نفسها بين علاقة عداء لا رجعة فيه مع روسيا، وعلاقة متوترة مع الرئيس دونالد ترامب، الذي يتعامل معها بطريقة الصفقات لا التحالفات. ويبقى الأخطر هو التوتر مع ترامب، الذي يبدو غير متمسك بحلف الناتو (المظلة الأمنية لأوروبا)، ويريد أن يحصل على غرينلاند، حتى لو اضطر لمواجهة الحلفاء عبر الأطلسي.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل