لبنان الأميركي ــ عدنان الساحلي

الإثنين 19 كانون الثاني , 2026 10:17 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تفنن الخياليون والنرجسيون في اختراع أوصاف للبنان، كانت بعيدة عن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه منذ ان اقتطعت مساحة من إحدى الولايات العثمانية وسميت متصرفية جبل لبنان، ثم جرى تسمينها بضم الأقضية الأربعة، لأن صخور الجبل وصنوبراته، لا تطعمان خبزاً ولا توفران أيدي عاملة، تكفي لنهوض وازدهار بلد أراده شعبه وطناً؛ فيما أراده النافذون في الداخل ورعاتهم في الخارج، كياناً وظيفياً يخدم الدول التي أنشأته، ليكون في خدمة سياساتها، بدليل سيل الهجرة الذي لم ينقطع، من جبل لبنان والأطراف، منذ ذلك الحين إلى بلاد الاغتراب، لأن حدث الناس لم يخطئ، بأن ما جرى ليس مشروعاً لخير مواطنيه، بل كان باباً لدخول الرياح المختلفة، التي نرى إحدى هباتها تعصف بلبنان هذه الأيام.
وبين "لبنان يا قطعة سما" و"سويسرا الشرق" و"جنة الله على الأرض"؛ وبين أن يكون قاعدة مطلقة للنفوذ الأميركي العدواني والتسلطي، مسافة فشل الساسة المتعاقبون في توضيح معالمها، أو في جعلها مساحة تفصل بين الحق والباطل وبين الحياة والموت، فأن يكون لبنان مزرعة لسفراء أميركا هو الموت بعينه، لأن الوجود من دون كرامة ولا سيادة وتحرر، هو نقيض الحياة. 
ومن أخبار حكومة نواف سلام، المخجلة لكل صاحب كرامة ولكل سيادي صادق، ليس فقط السكوت وعدم محاسبة الوزير "الإسرائيلي" المرجوج في خارجية الحكومة، بل أكثر من ذلك، إذ إن سلام، حسب معلومات إعلامية لم ينفها رئيس الحكومة، طلب من السفير الأميركي ميشال عيسى، الضغط المباشر على بعض الكتل والنواب للسير في المجلس النيابي بالخطة الحكومية لمعالجة الفجوة المالية، وهكذا يقول المريب خذوني، حيث يعترف سلام بأن هذا العهد وحكومته ليسوا أكثر من موظفين يعملون تحت إمرة السفارة الأميركية، وقد تكرم عليهم ترامب بأن عين لهم أميركياً من أصل لبناني ليفهموا أوامره جيداً، علماً أن أي لبناني أو عربي أو مسلم لا يمكن أن يصل إلى مواقع وظيفية مرموقة في الولايات المتحدة ما لم يكن مرضى عنه من اللوبيات الصهيونية، التي تتحكم بالحياة السياسية الأميركية، وقد خبرناهم جيداً؛ من فيليب حبيب إلى توم براك إلى ميشال عيسى وغيرهم. 
وميشال عيسى، مثل من سبقه في سفارة عوكر، يمارس وصاية أميركية مباشرة على السلطة والمسؤولين والمؤسسات اللبنانية، فهو بعد أن ورث هيمنة مطلقة على قرار المؤسسة العسكرية، التي يمنع عنها التسلح أو تلقي أي دعم غير أميركي، أو من دون موافقة أميركية. كما يمنع عليها إطلاق رصاصة واحدة على العدو "الإسرائيلي"، من سلاح أميركي، ويستبيح ثكنات وقواعد الجيش اللبناني؛ وقاعدة حامات نموذجاً، ها هو بدأ يكمل في مرفأ بيروت، ما فعله سابقوه في مطار بيروت، الذي يشرف موظفون من السفارة الأميركية على كل شحنة تدخله، كبيرة او صغيرة. ويشرفون على "السكانر" المشغل فيه، فيما الموظفون اللبنانيون، بمن فيهم العسكريون والأمنيون، مجرد منفذين لأوامر مندوبي سفارة عوكر، وها هو السفير عيسى، بعد أن زار مؤسسة كهرباء لبنان واطمأن إلى إنجازاتها "الكبيرة"، في إذلال اللبنانيين وافقارهم ونشر العتمة في بيوتهم، انتقل إلى مرفأ بيروت ليمارس وصايته وإشرافه المباشر، على حسن اداء إدارته، في استكمال الحصار الأميركي على لبنان واللبنانيين؛ وكان لافتاً تركيز عيسى على "السكانر" وحسن أدائه.
وهكذا، بعد الإمساك الأميركي برؤوس السلطة وإتيانهم برئيس جمهورية، أمضى الكثير من وقته، بزيارات مكوكية إلى واشنطن، خلال قيادته السابقة للجيش، مما أوصله إلى رئاسة الجمهورية، كما فرضوا رئيس حكومة يعيش ويحيا على إرضائهم، مما يطمئن "الغيورين" على مؤتمر باريس المزمع، بأن وعودهم بالمساعدات، لن تتحقق من دون الرضا الأميركي، الذي لا ينفصل عن رضى العدو "الإسرائيلي". 
وما يفعله سفراء أميركا، هو مخطط له منذ عشرات السنين، فمن محاولة ضم لبنان إلى حلف بغداد، ايام الرئيس الراحل كميل شمعون، إلى مشروع النقطة الرابعة، الذي بدأ ومنعت الأحداث استكماله، لإقامة قواعد عسكرية أميركية في لبنان، في خمسينيات القرن الماضي، إلى سيطرة وزارة الخزانة الأميركية على كل حركة المال في لبنان، من خلال هيمنتها على مصرف لبنان واستتباعها حاكمه، إلى إرسال مندوبين أميركيين، يحملون الجنسية "الإسرائيلية"، من دون أن يجرؤ أي مسؤول لبناني على رفض استقبالهم ومصافحتهم، نجد أن لبنان بات بالفعل مزرعة تديرها سفارة عوكر، حتى أن وسائل علام نشرت مؤخراً، بان مسؤولين لبنانيين صدموا، بعدم شن اميركا عدوانها على إيران. فهم يعرفون أن عدم حصول ذلك ليس من شيم الرئيس ترامب، الذي اختطف رئيس فنزويلا نيقولاس مادورو، لكنه أحجم عن عدوانه لأنه علم أن الرد الإيراني سيكون موجعاً ومكلفاً. ما يعني أن الدعم الإيراني سيستمر للمقاومة؛ وأن مطلب نزع السلاح، أو حصره، هو حلم للمتأسرلين، لن يتحقق.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل