أقلام الثبات
رغم كل الانتصارات الجغرافية والسياسية والعسكرية التي حققها الكيان "الإسرائيلي" منذ تأسيسه عام 1948، واحتلاله فلسطين، ثم سيناء، والضفة الغربية، والجولان، وجنوب لبنان، إلا أنه لا يزال يعاني من تحدٍّ كبير يتمثل بتأمين الأمن والاستقرار لمستوطنيه، ورفعهم إلى مستوى "شعب ووطن" يعيش بأمن وسلام وسط محيطه المعادي.
لم ينجح الكيان طوال سبعين عامًا، رغم تفوقه العسكري، في بناء سلام مستدام عبر مبدأ مقايضة الأرض بالسلام، فكانت "اتفاقية كامب ديفيد" مع مصر مقابل الانسحاب من سيناء، واتفاقيات "أوسلو" مع الفلسطينيين لوقف العمل المسلح مقابل عودة جزئية ومقيدة للسلطة، غير أن نقطة التحول الكبرى والمنعطف الخطير في تاريخ الصراع، الذي حطّم ثوابت مقدسة لدى "الإسرائيليين"، كانت عندما تمكّنت المقاومة اللبنانية من تحطيم الثوابت وأسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، وأطاحت بما روّج له العدو بإمكانية شراء الأمن والسلام مقابل الانسحاب من الأرض المحتلة، وأثبتت المقاومة اللبنانية إمكانية تحرير الأرض دون منح "إسرائيل" الأمن والسلام، مُسقطة بذلك الركيزة الثانية في استراتيجية الكيان بعد إسقاط الركيزة الأولى "الجيش الذي لا يُقهر".
يعيش الكيان "الإسرائيلي" المؤقت هاجس عدم البقاء، وهو ما عبّر عنه وزير الدفاع موشيه ديان بقوله "إن عمر إسرائيل محدود، وعلينا أن نُطيله قدر الإمكان"، ولا يمكن إطالة عمر "إسرائيل" إلا بالحروب والتوحش، وستزول، إلا إذا بقيت دولة عسكرية على مستوى الدولة والشعب، ليكون كل مستوطن جنديًا يحمل بندقيته في المدرسة والمصنع والشارع، ويبقى خائفاً من القتل، مما يسلبه استقراره النفسي والمادي، ويبقيه غريبًا، ويفكّر بالهجرة طلبًا للأمان، أو تشجيع أبنائه على استعادة جنسياتهم الأجنبية.
شكّلت معركة "طوفان الأقصى الاستشهادية" التي نفذتها المقاومة في غزة، بعد انسداد الأفق السياسي واشتداد الحصار، علامة فارقة ورغم الخسائر الجسيمة التي لا تزال تتكبدها، فقد أثرت بعمق في الوعي والعقل "الإسرائيلي"، وزادت منسوب الخوف والقلق بشأن المستقبل، وأثبتت أن الصراع مع الفلسطينيين والمقاومين الأحرار في الأمة أمرٌ لا مفر منه كلما توافرت الإمكانيات.
خسرت حركات المقاومة، خصوصاً المقاومة اللبنانية - مؤقتًا - ورقتها الأقوى المتمثلة في فرض التوازن العسكري وخسرت ورقة "قهر" الجيش الذي يُوصف بأنه لا يُقهر، لكنها لا تزال تحتفظ بورقة تضاهي أو تفوق ورقتها العسكرية الأولى، وهي ورقة "المستوطن الذي لا يستقر" في بيته ومستوطنته، والتي لا تحتاج صواريخ دقيقة أو أنفاقًا أو قواعد عسكرية ثابتة وحتى لو جُرّدت المقاومة في كل لبنان من سلاحها أو سلمته، والتزمت باتفاقيات الضرورة أو اتفاقيات الأقل ضررًا، فإن ذلك لا يلغي إمكانية لجوئها إلى وسائل بديلة، أو ولادة مقاومين (أفرادًا أو جماعات) قادرين على إحباط المشروع "الإسرائيلي" عبر ترسيخ معادلة "المستوطن الذي لن يستقر، مقابل الجنوبي الذي لن يعود"، وهذا الخيار متاحٌ وممكن حتى الآن عبر أفراد أو طائرات مسيّرة محدودة وإذا لم يعد المستوطنون إلى شمال فلسطين، أو عادوا وهم يعيشون في خوف، تكون المقاومة قد أفشلت المشروع الإسرائيلي بأكمله، وتبدّدت كل الإنجازات "الإسرائيلية" التي تحققت بالقصف والتدمير، لأن الهدف الأساسي كان تأمين الأمن وعودة المستوطنين، وهو ما لم يتحقق، إذ لم يتمكن اللبنانيون من العودة إلى قراهم آمنين.
لقد تغيرت الظروف والوقائع والإمكانيات، وانقلب الشرق الأوسط رأسًا على عقب، حيث رجحت كفة المشروع الأمريكي - "الإسرائيلي"، بعد أن انحاز أغلب العرب والمسلمين إلى الجبهة الأمريكية ضد المقاومة، وما تعرّضت له حركات المقاومة ودولها من ضربات قاسية، مما يفرض على المقاومة تغيير استراتيجية المواجهة ووسائلها، واعتماد استراتيجية "الاستنزاف الديموغرافي" للعدو التي ترتكز على منظومة "المستوطن الذي لا يستقر"، سواء كان جنديًا أو مستوطنًا أو سائحًا أو رجل أعمال، بهدف فرض تفاهم يشابه "تفاهم نيسان" الذي فرضته المقاومة سابقًا، ونجحت بموجبه بتحييد المدنيين على طرفي الحدود، وذلك لفرض تحييد العسكريين على الجبهتين وتحقيق هذا الهدف ليس مستحيلاً حتى بدون الحاجة للصواريخ أو الأنفاق.
لم تنتصر "إسرائيل" حتى الآن، ولم تُهزم المقاومة، فالحرب لم تنتهِ بعد، ومع أن "إسرائيل" ربحت "شيكًا" بمبلغ كبير، إلا أننا نستطيع منعها من صرفه سياسيًا وعسكريًا، فقد استطعنا قهر الجيش الذي كان يُوصف بأنه لا يُقهر، وهو إنجاز كان مستحيلاً في السابق، كما نستطيع تثبيت معادلة "المستوطن الذي لا يستقر"، ونفرض ان لا يكون آمنًا، مادمنا لسنا آمنين.
تمتلك "إسرائيل" القوة لقتلنا... ونمتلك القدرة على منع الأمن والاستقرار لمستوطنيها… ولنفاوض وفق هذه القاعدة.
"إسرائيل" بين جيش لا يقهر ومستوطن لا يستقر ــ د. نسيب حطيط
الإثنين 19 كانون الثاني , 2026 10:11 توقيت بيروت
أقلام الثبات
تعيين غراسيا قزّي: حين تُغلَّب المحسوبيّة على المحاسبة
معضلة أوروبا: حين تأتي "الطعنة" من الحليف ــ د. ليلى نقولا
لبنان الأميركي ــ عدنان الساحلي