ترامب يُنصّب نفسه رئيساً لغزة _ د. نسيب حطيط

الأحد 18 كانون الثاني , 2026 10:53 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل "مجلس السلام العالمي" لإدارة غزة، وذلك بعد الدمار الذي ألحقته بها "إسرائيل" بدعم أمريكي، ويمثل هذا الإعلان نموذجًا ثانيًا للاستعمار الأمريكي الجديد من خلال إنشاء مجلس إدارة وحكم انتقالي، قد يصبح دائمًا برئاسة أمريكية وبمشاركة أمريكية بريطانية، حيث سيتولى رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير منصب رئيس وزراء غزة المحتلة، وسيبادر ترامب لتعيين بعض القادة العرب والمسلمين لغرض إضفاء مظهر التنوع السياسي وتثبيت الرؤية الأمريكية، حيث سيتم التعامل مع أي رئيس أو ملك بصفته عضوًا هامشيًا في مجلس يرأسه ترامب "رئيس وملك في بلدك.. وعبدٌ عندنا"!
إن إعلان ترامب  عن مجلس "السلام بالقوة" للسيطرة المباشرة على غزة ، كجزء من أمريكا خارج حدودها الرسمية، يُعد الخطوة التنفيذية الأولى لإلغاء قيام دولة فلسطين أو مبدأ حل الدولتين، كما يمهّد لإنهاء دور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية عبر اتهامها بالفساد وعدم القدرة على السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وستكون تجربة الحكم الأمريكي المباشر لغزة نموذجًا تجريبيًا يُعمم على مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الجديد، والمنطقة الثانية المرشحة لتطبيق هذا النموذج هي المنطقة الاقتصادية التي يقترحها ترامب في جنوب لبنان، بهدف تأمين شريط أمني عازل لحماية إسرائيل، تليها منطقة السويداء وجنوب سوريا، لتأمين شريط أمني تحت ذريعة اقتصادية مخادعة على امتداد الجبهات العربية - "الإسرائيلية".
المشاركة العربية والإسلامية ستضفي شرعية على القرار الأمريكي وتؤدي للموافقة على إلغاء الدولة الفلسطينية، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، كما ستؤسس لإلغاء دور الأمم المتحدة والقوات الدولية كما كانت سابقًا  وقد تم بالفعل إقرار سحب القوات الدولية "اليونيفل" من جنوب لبنان واستبدالها بقوات أجنبية لا تخضع للأمم المتحدة  وسيكون مصير قوات "الإيندوف" في الجولان السوري مماثلاً، بسبب انتفاء مهمتها بعد تشكيل اللجنة الأمنية الثلاثية (الأمريكية - "الإسرائيلية" - السورية)، واستبدال مؤسسات الأمم المتحدة، بمؤسسات تابعة للولايات المتحدة الأمريكية التي يتم تأسيسها حديثًا وكانت "الأونروا" ضمن المؤسسات التي بدأت "إسرائيل" وأمريكا بإلغائها واستبدالها بمنظمات إغاثة أمريكية، بدءً من المرفأ الإنساني الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي السابق بايدن، وسيتم تدريجيًا إلغاء جميع المؤسسات والمصطلحات والأطر السياسية التي تعترف أو تشير إلى وجود فلسطين أو اللاجئين الفلسطينيين أو القضية الفلسطينية.
إذا نجحت تجربة "الحكم الأمريكي المباشر" في غزة، فسيتم تعميمها على جميع أنحاء العالم العربي وستكون التجربة الثانية، بعد دول الطوق، هي دول الخليج النفطية، عبر فرض تجنيس العاملين الأجانب وفرض مشاركتهم في الحكم.
 لم ينتبه البعض إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد أفسحتا المجال للمسلمين المجنّسين الأجانب ليصبحوا رؤساء وزراء، أو عمدة لنيويورك، أو رؤساء بلديات وأعضاء في مجلس الشيوخ ومؤسسات سياسية أخرى، للاستدلال بذلك على ضرورة المعاملة بالمثل في دول الخليج النفطية.
إن مجلس السلام الأمريكي الذي أعلنه ترامب أخطر من الاحتلال الإسرائيلي المباشر، لأنه يقع في المنطقة الرمادية بين الاحتلال والمساعدة، ويمكنه استقطاب أهالي غزة في خضم لحظات التهجير والقتل والتدمير، مما يسهل عملية استمالتهم ويقلل تكلفتها، نظرًا للظروف القاهرة التي يعيشونها، كما أن عملية التعبئة ضد هذا المجلس الاستعماري ستكون أضعف، لأن الذئب الأمريكي الذي يحل محل الوحش الإسرائيلي يأتي مرتدياً ثوب المنقذ والحمل الوديع والعطوف.
تعتمد مقاومة هذا المشروع على التوعية الثقافية والسياسية أكثر من اعتماده على المقاومة المسلحة، لأنه يمثل أخطر أنواع الحرب الناعمة المتوحشة التي تستهدف الفلسطينيين كمرحلة أولى، ثم العرب والمسلمين كمرحلة ثانية.
إن مهمة وهدف " مجلس السلام الأمريكي" إنهاء وتصفية القضية الفلسطينية وشطبها من القاموس الدولي والذاكرة والتاريخ، ليكمل بذلك ما بدأت به عصابات "الهاغانا" و"الإرغون" التي أسست الكيان قبل سبعين عاماً، مما يفرض على الفلسطينيين والعرب والمسلمين مقاومته وإفشاله لإنقاذ ما تبقى من فلسطين وحماية العرب والمسلمين.
إذا لم تقتلك أمريكا بالرصاص... فستقتلك برغيف الخبز... وإن لم تنقذوا غزة وفلسطين، سَتَسقط دولكم وعروشكم.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل