أمريكا وإيران... وحرب الأربعين عامًا _ د. نسيب حطيط

الأحد 11 كانون الثاني , 2026 10:12 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
بدأ الصراع الإيراني - الأمريكي في اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية، حيث تلقت أمريكا صفعة قوية بخسارة إيران، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي الذي قاد الحرب بين الشيوعية والرأسمالية لمدة 45 عامًا عقب الحرب العالمية الثانية حتى تفككه عام 1990، تحول الصراع ليصبح بين الرأسمالية الغربية و"التشيّع السياسي" العالمي (لا ينحصر بالشيعة مذهبياً، بل فيه السنّة والعلمانيون والمسيحيون الوطنيون)، والذي تجاوز عمره حتى الآن 47 عامًا، حيث نجحت إيران في عرقلة المشاريع الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتصدرت المشهد السياسي إلى جانب حركات المقاومة، وبعد انضمام المنظومة العربية والإسلامية للمشروع الأمريكي، وحملت لواء محور المقاومة الذي استطاع  تأخير سقوط الشرق الأوسط لمدة 40 عامًا، ولا يزالون صامدين رغم الضربات القاسية التي تعرض لها.
الحرب الأمريكية - الإيرانية ليست صراعًا بين دولتين، بل هي مواجهة بين مشروعين فكريين وسياسيين متعارضين، وتُعتبر "إسرائيل" مجرد تفصيل وأداة تنفيذية في هذا الصراع.
يتوزع الصراع الإيراني-الأمريكي على ثلاثة محاور:
- المحور السياسي: شكّلت إيران جبهة مواجهة و كتلة بديلة للكتلة الشرقية التي كان يقودها الاتحاد السوفياتي، ونجحت في عرقلة وإفشال المشاريع الأمريكية مما دفع أمريكا لحصارها وحشد تحالف عالمي ضدها وقام ببتر أطرافها في معركة طوفان الأقصى وحرب الإسناد وسوريا وتمكن  من النفاذ إلى قلبها  عبر ثغرات متعددة ، وجعلها هدفا مركزيا ،لأن إسقاطها  مدخل الزامي لولادة "إسرائيل الكبرى" و"الشرق الأوسط الأمريكي الجديد" الذي يعيش مخاضه، لكنه مهدّد بالفشل على يد محور المقاومة بقيادة إيران، الذي ربما ينتقل إلى مرحلة المواجهة المتنقلة ،لإنهاك للوجود الأمريكي-الإسرائيلي، ليس على جبهات ثابتة ومحددة، بل في كل جغرافيا يمكن الوصول إليها وفق منظومة المقاومة، "الضرب جنوبي العدو".
- المحور الثاني" يتمثل في البعد العقائدي والديني والثقافي، والذي تمثّله  إيران بوصفها دولة "الإسلام الشيعي" في العالم الذي  يقوم بمهمته الرسالية والإلهية في نصرة المظلومين ومواجهة الظالمين، بعدما استطاعت بريطانيا وأمريكا تجويف وتدجين  الإسلام السني" ،ليكون أداة بأيديهما و تحول الإسلام المعاصر إلى نسخ "أمريكية بريطانية" بعناوينها التكفيرية والإخوانية، ، ليصبح جيشاً بديلاً لغزو وتفتيت العالم العربي  وان اسقاط ايران ،ممر الزامي لتسهيل نشر "الديانة الإبراهيمية" التي بدأ العرب يتقبلونها ويعتنقونها، وسيتقبلها الأتراك لاحقاً عبر بوابة الإسلام العلماني - التركي.
- المحور الثالث : هو المحور العسكري، ويهدف إلى نزع سلاح المقاومة في عموم الشرق الأوسط، سواء كانت تملكه الدول أو حركات المقاومة، وذلك لجعل المنطقة منزوعة السلاح المناهض للتحالف الأمريكي - "الإسرائيلي"، وتحويل الجيوش إلى شرطة عسكرية لتأمين المصالح الأمريكية و"الإسرائيلية".
إن الحرب الأمريكية على إيران ليست مجرد صراع لإسقاط نظام سياسي عادي، بل هي حرب على مشروع فكري ديني سياسي، وعلى ما تبقى من الإسلام القرآني، وحرب على الوجود الشيعي في العالم بهدف اقتلاع الفكر الإصلاحي والتحرري. فبعد إسقاط المسيحية، يُفترض استبدال الإسلام ، بالماسونية والصهيونية في نسختهما المغلفة باسم خادع هو "الديانة الإبراهيمية". وهي حرب دينية يقودها التلموديون والمحافظون الجدد، وليست مجرد حرب سياسية أو اقتصادية.
الحرب على إيران هي حرب على حركات التحرر في العالم أجمع، وحرب على العلمانيين المناهضين لأمريكا، وعلى الوطنيين الساعين للحفاظ على سيادة أوطانهم وثرواتها، وحرب على المفكرين والمثقفين الأحرار الذين يرفضون التبعية والاستعباد الفكري الذي تمارسه أمريكا وأدواتها من الأنظمة والمؤسسات الدولية.
نجحت أمريكا في استراتيجيتها القائمة على استهداف محور المقاومة بشكل متفرق، مستغلةً خطأه في عدم توحيد القتال في ساحاته المتعددة وكان هذا التردد نابعًا من الخوف من الانجرار إلى حرب لا تصب في مصلحته على صعيد توازن القوى، وسعيًا لحماية شعوبه، فاكتفى بمناورات منضبطة، ولكنه دفع ثمن تردده وبات لزامًا عليه الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، فهذه هي الفرصة الأخيرة لحماية ما تبقى، وبدء محاسبة الفاسدين والمتعاونين الذين شاركوا في الحرب عبر تخريب الأمن الاجتماعي والأخلاقي والعقائدي، وعزل المقصرين، فالفاسد والمسؤول الذي لا يُحاسب، أخطر جنود أمريكا من العملاء. انتصرت أمريكا على الشيوعية وأسقطت منظومتها العالمية، ولم يتبق أمامها سوى المنظومة الإسلامية الشيعية، فإذا تمكنت من هزيمتها وتفكيكها، ستصبح سيدة العالم بلا منازع لعقود طويلة، وربما قرن أو أكثر. 
لا تنتصر أمريكا و"إسرائيل" لأنهما الأكثر قوة فقط، بل من سوء إدارتنا لما نمتلكه من قوة وما زال الوقت متاحًا لإعادة التوازن ووقف الانهيار، شريطة مراجعة الماضي وتغيير استراتيجية المواجهة والوسائل المتبعة.
إيران - الإسلام ليست دولة... بل مشروع ديني - إنساني أصيل يجب حمايته.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل