الحرب الأمريكية لإسقاط إيران... أوّل من اعترف بفلسطين وآخر من يحتضنها _ د. نسيب حطيط

السبت 10 كانون الثاني , 2026 09:36 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
تتعرض الجمهورية الإسلامية في إيران لحرب مستمرة منذ انتصار ثورتها عام 1979، بعدما نجحت في إسقاط "الشاه"، وطردت أمريكا وأغلقت سفارة "اسرائيل"، وافتتحت أول سفارة فلسطينية في العالم، قبل الدول العربية والإسلامية فعاجلتها أمريكا بالحرب العراقية عليها، لكن إيران استطاعت الصمود رغم الحصار والحروب الخارجية والتفجيرات واغتيال قياداتها على يد منظمة "مجاهدي خلق".
ورثت الثورة الإسلامية في إيران، إرث الاتحاد السوفياتي في مناهضة المشروع الأمريكي - الغربي، ودعم حركات التحرر والدول التي تحاصرها أمريكا، لكن إيران تميّزت بحضورها القوي واحتضانها للمقاومة الفلسطينية بشكل خاص، وتبنيها الكامل لقضية تحرير فلسطين، وكانت أول من وضع حجر الأساس للدولة الفلسطينية، عبر استبدال سفارة "إسرائيل" بالسفارة الفلسطينية، معلنة بدء مشروع "إزالة إسرائيل من الوجود" الذي أطلقه الإمام الخميني، وتأسيس جيش العشرين مليون لتحرير القدس.
تسعى أمريكا وتحالفها العالمي (الغربي والعربي والإسرائيلي) لإسقاط إيران منذ أربعين عاماً، وباءت كل محاولاتها بالفشل، ابتداء من عملية "طبس" الأمريكية الفاشلة، والحصار الاقتصادي الخانق الذي فُرض على الشعب الإيراني، عقابا لإيران، بسبب مقاومتها للمشروع منذ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، ونجاحها في تأخير ولادة مشروع "إسرائيل الكبرى" و"الشرق الأوسط الأمريكي الجديد" أكثر من أربعة عقود. 
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون مع الماسونية والصهيونية العالمية، إلى إسقاط إيران بصفتها نموذجًا للإسلام الرسالي المنفتح والمثقف والمتعلم، الذي دحض اتهام "الدين كأفيون للشعوب" وبَرَّأَ الإسلام من التهم الموجهة إليه بالجهل والتوحش، فبعد أن نجحت أمريكا في ترسيخ صورة مشوهة عن الإسلام عبر الجماعات التكفيرية التي صنعتها، والتي صوّرته دينًا للذبح والاغتصاب والسبي، وصورة متوحشة لا صلة لها بالعلم أو الصناعة أو الثقافة، يأتي هذا المسعى استكمالًا للمشروع البريطاني القديم المتمثل في صناعة أحزاب دينية أفرغت الإسلام من مضمونه وأبعدته عن دوره السياسي الإصلاحي والثوري في تحرير الإنسان والأرض من الاستعمار والاحتلال.
تحاول أمريكا إسقاط التجربة الإيرانية الاستثنائية التي أثبتت قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي على مستوى التصنيع العسكري التنموي والإنجازات العلمية وإغلاق أبواب الاستثمار والسيطرة الاستعمارية الغربية على مواردها وقرارها السياسي، على عكس حال معظم دول العالم الثالث، خصوصاً العربية، سواء الغنية أو الفقيرة. 
تخوض أمريكا و"إسرائيل" معركتهما الأخيرة لإسقاط "إيران الثورة"، باعتبارها آخر المعارك في حرب تصفية القضية الفلسطينية والمشروع المقاوم العربي الإسلامي، بعد نجاحهما في إبادة غزة وإسقاط النظام السوري المقاوم، والضربات التي أرهقت المقاومة اللبنانية، والإسراع باستثمار هذه الفرصة لإعلان "إسرائيل الكبرى" تنفيذيًا، وتأسيس "الشرق الأوسط الأمريكي الجديد" بنسخته المحدثة، عبر تنصيب أنظمة حاكمة بقرار أمريكي لإدارة دول المنطقة، وإجبارها على توقيع اتفاقيات السلام والأمن والتطبيع مع إسرائيل، وتحويل الجيوش إلى قوى "شرطة"، لحماية "إسرائيل" وأمريكا، والتنازل الطوعي عن الثروات الوطنية، وصولًا إلى إعلان "الديانة الإبراهيمية" ديانة رسمية، لشعوب "إسرائيل الكبرى" في هذا الشرق الأوسط الجديد.
ما يجري في إيران لا يرقى إلى مستوى انتفاضة شعبية هدفها الخبز والدواء، مع عدم إنكار معاناة الشعب الإيراني التي استمرت أربعين عامًا بسبب الحصار الأمريكي والغربي والحروب التي تعرضت لها إيران، والتي تفاقمت وتوسّعت بسبب سوء الإدارة وفساد بعض المسؤولين والمؤسسات، مما أحدث ثغرات في السد العقائدي والعسكري الذي يحمي إيران، وأوقعها في فخ الصراع الداخلي.
 تعتمد أمريكا و"إسرائيل" استراتيجية الفتنة الداخلية كما فعلتا في سوريا قبل إسقاطها، كبديل عن الغزو أو الحرب المباشرة لتجنب الخسائر، كما حدث في حرب حزيران الأخيرة،،فإذا نجحت أمريكا و"إسرائيل" في إسقاط إيران، سيتغيّر وجه المنطقة والعالم، تمامًا كما تغيّر بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران.، لذلك، لا خيار أمام "إيران الثورة" سوى الصمود والمقاومة، وواجب كل الأحرار في العالم مساندتها، ليس من أجلها فقط، بل من أجل المشروع التحرري العالمي الهادف لمواجهة الهيمنة الأمريكية على العالم.
 أثبتت الأحداث الميدانية أن المقاومة اللبنانية، كانت سنداً قوياً لكل أركان المحور المقاوم، و"البحصة" التي تسند كل "خوابي المحور" وعندما تم شل قدرتها على الرد، سقطت سوريا وتجرأوا على إيران وأعلنوا عن مشروع إسرائيل الكبرى... ولهذا يسعون لإطفاء شعلتها واجتثاثها... لكن وعد الله أصدق: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل