أقلام الثبات
شخصية "جون رامبو" الخيالية التي ابتكرها الكاتب "ديفيد موريل"، والمستوحاة من الوضع النفسي للجنود الأميركيين المخضرمين في حرب فيتنام، وجسَّدتها أفلام سيلفستر ستالون، بدا فيها "رامبو" ذلك الجندي السابق الذي يمتلك مهارات قتالية استثنائية، ويعاني من "اضطراب ما بعد الصدمة"، ما يجعله شخصاً متهوراً في ارتجال المواقف وغير قادر على ضبط نفسه في اتخاذ مواقف غير مسؤولة وتبدو أحياناً انتحارية، وإذا كان الرئيس ترامب يعاني من "اضطراب ما بعد النصر" على كمالا هاريس ومن خلفها جو بايدن ، ويريد أن "يجعل من أميركا عظيمة من جديد"، فهذا لا يجب أن يُغيِّب عن ذاكرته، خيبات فيتنام وأفغانستان والعراق، عندما يهلوس باحتلال قناة بنما وضمّ كندا والهيمنة على نفط فنزويلا، وتحويل شاطئ غزة والساحل السوري والجنوب اللبناني إلى "ريفييرا"، لأنه ليست كل شعوب العالم من "الهنود الحمر" الذين هددهم الأميركيون القدامى بحجب نور القمر عنهم ما لم يتخلوا عن أراضيهم.
ما يجمع بين أحداث فنزويلا وخطف الرئيس نيكولاس مادورو، وبين مغامرات أميركا في الشرق الأوسط، من غزة الى لبنان وسوريا واليمن وإيران، قاسم مشترك يتمثَّل في فلتان "رامبو" الأميركي على العالم، لكن الشعب الفنزويلي، على عكس الشعب العربي الساكن الساكت، نزل إلى الشوارع بجنون على وقع المفاجأة، مطالباً بعودة رئيسه، ومندداً بجرائم ما أسماها "الإمبريالية المتغطرسة" التي اعتادت أن تعامل بها الولايات المتحدة دول أميركا الجنوبية وكأنها "جمهوريات موز"، علماً بأنه باستثناء الأرجنتين وهندوراس، لا علاقات جيدة للولايات المتحدة مع أية دولة لاتينية، وحتى لو كانت بعض أنظمة هذه الدول دكتاتورية، لكنها ثورية اشتراكية لا عدو لها سوى الرأسمالية المتوحشة وعلى رأس رموزها الولايات المتحدة الأميركية.
نزل الفنزويليون إلى الشوارع في كل ولايات البلاد، ليس من أجل شخص الرئيس نيكولاس مادورو فقط، بل شعوراً منهم بقساوة ما حصل من اعتداء على سيادة بلادهم، ورفضهم منطق الاستعمار، من منطلق ثقافة الثورات المتوارثة في أميركا الجنوبية، من زمن سيمون دي بوليفار، إلى شي غيفارا وفيديل كاسترو وهوغو شافيز، إضافة إلى ما بات يعرف في فنزويلا باسم حركة "لاهوت التحرير" التي انطلقت عام 1928، وهي التي تجمع بين عطف الكنيسة على الفقراء، والتيارات اليسارية التي أنتجتها ثورات حملت هموم الطبقات الفقيرة، وبات فكر "لاهوت التحرير" مرجع الانتماء القومي والاصطفاف الوطني في فنزويلا، إضافة إلى قوة الانضباط في النظام الجمهوري الديمقراطي، بحيث سارعت المحكمة العليا إلى توجيه "أمر قضائي" إلى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز لاستلام مهام الرئاسة بصلاحيات كاملة وبصورة مؤقتة لحين جلاء الموقف، مع ازدراد الرئيس ترامب نفسه لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو التي اختطفت منه جائزة نوبل للسلام في شهر أكتوبر الماضي، واعتبر أنها "لا تحظى بالدعم ولا بالاحترام في بلادها".
"هو مجرم استعماري بغيض، عينه على نفط فنزويلا وعينه الثانية على مناجم الذهب والمعادن النادرة في بلادنا، وسوف نذيقه مرارة أقوى من فيتنام لو حاول جيشه نهب ثرواتنا"، هكذا يرى الفنزويليون الرئيس الأميركي ترامب وهكذا يتوعدونه، وفي تهديدهم بالبقاء في الشوارع حتى عودة رئيسهم مادورو شيء من العاطفة الجياشة والعفوية، لكن عودتهم في النهاية إلى منازلهم لا تعني إطلاقاً أن قلوبهم سوف تُفتح يوماً لعناق الأميركيين.
ردود الفعل الدولية لم تأتِ على قدر جريمة الاعتداء على سيادة دولة، واكتفى أمين عام الأمم المتحدة كالعادة بإبداء "القلق"، لكن صورة "أميركا ترامب" في العالم باتت مقلقة فعلاً، بصرف النظر عن تفاوت لهجة الاستنكار بين دولة وأخرى، من اعتبار خطف رئيس دولة من مكان إقامته اعتداءً على سيادة دولة، إلى اعتبار ما ترتكبه إدارة ترامب "إرهاب دولة".
وبصرف النظر عن بعض التجمعات الجماهيرية المُستنكرة أمام البيت الأبيض وفي بعض الولايات الأميركية، للمطالبة بعزل ترامب نتيجة أفعاله المتهوِّرة، فإن الغالبية التي يحظى بها الجمهوريون في الكونغرس تشكل حصانة له، لكن أصوات الديمقراطيين عَلَت احتجاجاً على انفراده بقرارات حربية "سوف تُغيِّر هوية أميركا" من دولة راعية للديمقراطية إلى دولة معتدية.
وبالعودة إلى الإرهاب الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، عبر تزامن أحداث إنزال في محيط القصر الرئاسي السوري وحصول إطلاق نار داخل القصر، ثم شائعة اختفاء الرئيس السوري أحمد الشرع بعد حادثة إطلاق النار، مع حادثة اختطاف مادورو، ليس بالضرورة أن تكون لأميركا اليد المباشرة في ما حصل بأحداث دمشق الأخيرة، ومصير الرئيس أحمد الشرع الآن أو بعد حين، لكن عبث أيادي تركيا و"إسرائيل" بالوضع السوري، يعيدنا إلى قول الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام 2014 عن الشرق الأوسط: "يمكننا استخدام الكفوف البيضاء في الصراعات وتشغيل أيادي الآخرين".
استخدام "الكفوف البيضاء" ومحاربة الآخرين بآخرين، هي أخطر أنواع الحروب التي طبعت السياسة الخارجية الأميركية منذ عقود، والتي تحتاج دائماً إلى شعوبٍ حمقى كشعوب الشرق الأوسط، لأن قطاع صناعة وتجارة الأسلحة في الولايات المتحدة هو إحدى عجلات الاقتصاد الأميركي ويليه قطاع النفط، وهذا ما يتوفر لأميركا في الشرق الأوسط حيث الحماقة موجودة حتى الانتحار والنفط متوافر للابتزاز والنهب حتى الرمق، ولا مشكلة لدى أميركا من غسل يديها بعد ارتكاباتها، لأنها تغسلهم من الخصوم ومن الحلفاء على حد سواء بعد إتمام المهام، لتبدأ مهام جديدة حيث يتوافر الحمقى، وأرض الشرق الأوسط تسكن صحراءها وعلى شطآن خليجها مخلوقات لديها عقلية الهنود الحمر، وتخشى أن تحجب عنها أميركا ضوء القمر.
النازية الأمريكية تجتاح العالم _ د. نسيب حطيط
الجولاني يُدخل "إسرائيل" إلى دمشق وحدود لبنان والعراق! ــ د. نسيب حطيط
فنزويلا ليست جمهورية موز