فنزويلا ليست جمهورية موز

الثلاثاء 06 كانون الثاني , 2026 11:31 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

ما يُحاك ضد فنزويلا ليس حدثًا معزولًا، ولا نزوة عابرة لرئيس أمريكي مثير للجدل، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات إخضاع الدول المستقلة ونهب ثرواتها تحت شعارات زائفة مثل “نشر الديمقراطية” و“حماية الأمن القومي”. فحين يُلوّح رئيس الولايات المتحدة بالقوة العسكرية، ويُلمّح إلى إسقاط حكومات منتخبة، ويُعامل رؤساء دول ذات سيادة كأنهم مطلوبون لدى عصابات عابرة للحدود، فإننا لا نكون أمام سلوك دولة تزعم قيادة “العالم الحر”، بل أمام منطق مافيوي لا يعترف بالقانون الدولي ولا بإرادة الشعوب.

الاستهداف الأمريكي لفنزويلا لا ينفصل عن لعنة النفط. هذه البلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يزيد على 300 مليار برميل، وهو رقم كفيل بإشعال شهية أي إدارة أمريكية مأزومة بدَين عام يتجاوز 43 تريليون دولار، وعجز سنوي يبتلع أكثر من تريليون. في هذا السياق، يصبح شعار “أمريكا أولًا” ترجمة عملية لسياسة: نهب الآخرين لإنقاذ الإمبراطورية المتآكلة.

لكن ما لم تحسبه واشنطن جيدًا، هو أن فنزويلا ليست “جمهورية موز” كما كانت تُدار دول أمريكا اللاتينية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. زمن الانقلابات السهلة، والجنرالات المأجورين، والرؤساء الهاربين على متن طائرات عسكرية، قد انتهى. الرئيس نيكولاس مادورو، مهما اختلف خصومه معه، لم يأتِ على ظهر دبابة، ولم يُنصّب بقرار من سفارة أجنبية. هو ابن الطبقة العاملة، سائق حافلة سابق، وصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، وورث مشروعًا سياديًا أسسه هوغو تشافيز، يقوم على فكرة بسيطة وخطيرة في آن: أن ثروات فنزويلا ملك لشعبها لا للشركات العابرة للقارات.

التاريخ القريب لا يقف إلى جانب المغامرات العسكرية الأمريكية. من فيتنام إلى أفغانستان، ومن العراق إلى غيرها، لم تدخل الولايات المتحدة حربًا إلا وخرجت منها مثقلة بالخسائر، ماديًا وأخلاقيًا وسياسيًا. هذه الهزائم المتراكمة هي أحد الأسباب الرئيسية لتضخم الدَّين الأمريكي وتآكل صورة “القوة التي لا تُقهر”. ومن يراهن على أن فنزويلا ستكون استثناءً، يتجاهل حقيقة أن أي عدوان عليها قد يفتح باب حرب استنزاف طويلة في خاصرة جغرافية قريبة من الأراضي الأمريكية نفسها.

الأخطر من ذلك، أن أي تصعيد ضد كاراكاس لن يبقى محليًا. أمريكا اللاتينية اليوم أكثر وعيًا وتماسكًا مما كانت عليه سابقًا. شعوب هذه القارة، التي خبرت الانقلابات والحصار والنهب، باتت ترى في فنزويلا خط الدفاع الأول عن سيادتها الجماعية. وليس من المستبعد أن تفرز هذه اللحظة قادة جددًا على شاكلة تشي غيفارا، فيدل كاسترو، أو هوغو تشافيز، يعيدون تعريف المقاومة بلغة القرن الحادي والعشرين.

المفارقة الفجة أن الرئيس الأمريكي الذي يُلوّح بالقوة ويؤجج الصراعات، يتطلع في الوقت نفسه إلى جائزة “نوبل للسلام”، ويجد من يروّج له، في مشهد يكشف مقدار الانفصام بين الخطاب والواقع. فالسلام لا يُصنع بالصواريخ، ولا بالعقوبات الجماعية، ولا بابتزاز الدول الفقيرة والغنية على حد سواء.

في النهاية، قد تكون فنزويلا ساحة اختبار جديدة، لكن نتائجها لن تكون محصورة داخل حدودها. أي مغامرة عسكرية أو محاولة فرض الوصاية بالقوة، سترتد اضطرابًا وفوضى على النظام الدولي بأسره، وعلى الولايات المتحدة نفسها. فالتاريخ علّمنا أن دماء الشعوب المظلومة لا تضيع، وأن الإمبراطوريات تسقط حين تعتقد أن القوة وحدها تكفي.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل