الرأس مقابل النظام: سيناريو الصفقة في فنزويلا ــ د. ليلى نقولا

الإثنين 05 كانون الثاني , 2026 09:07 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

كان لافتاً قيام الاميركيين بعملية عسكرية خاصة لإلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو وزوجته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة تمهيداً لمحاكمتهما في نيويورك، وذلك بدون قلب النظام الفنزويلي، بل تمّ تعيين نائبة الرئيس الفنزويلي كرئيسة مؤقتة. وفي وقت أطلق الرئيس دونالد ترامب تهديدات لنائبة الرئيس قائلاً إذا لم تقم بالصواب بأنها ستلقى مصيراً أسوأ من مادورو، تحدث عن عدم تأييده لتسليم السلطة الى المعارضة، كونها لا تتمتع بالاحترام والقبول من الشعب.

إن عدم إسقاط النظام في فنزويلا، يطرح سيناريوهات متعددة حول ما حصل فعلاً وما سيحصل، وتعتمد هذه السيناريوهات بشكل أساسي على مدى قبول "الدولة العميقة" في فنزويلا (الجيش، الحزب الحاكم، المؤسسات الأمنية) بما حصل، وحدود الرغبة الأميركية في التوغل العسكري، وخطر الفوضى في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.

عملياً، ما الذي حصل فعلاً، قد لا يتضح إلا بعد فترة من الزمن، لكن فكرة أن تقوم الولايات المتحدة بعملية إنزال واعتقال لرئيس دولة محصّن دون مقاومة تذكر من "الدائرة الحديدية" المحيطة به، وعدم تفعيل منظومات الدفاع الجوي المتطورة أو عدم صدور أوامر قتال حقيقية أثناء الإنزال، ودون تخوّف من ردّ فعل الجيش الفنزويلي... تدعم بقوة فرضية وجود تفاهم مسبق مع أركان "الدولة العميقة، على أساس التضحية بمادورو وبقاء النظام ومؤسساته.

وإذا سلمنا بصحة هذه الفرضية، فنجد أن فيها ربحاً مزدوجاً لكل من ترامب وأركان النظام والجيش الفنزويلي. يحقق هؤلاء البقاء في السلطة وتخفيف العقوبات عن الشعب الفنزويلي، حيث قد يكون الجناح السياسي "البراغماتي" في النظام اقتنع بعد الحصار الذي فرضه الأميركيون مؤخراً أن مادورو انتهى سياسياً، وأن الحفاظ على "الإرث التشافيزي" يتطلب وجهاً جديداً يمكنه التفاوض مع واشنطن.

في المقابل، يحقق ترامب نصراً إعلامياً وسياسياً ساحقاً، حيث يسيطر على نفط فنزويلا دون تدمير البنية التحتية للحقول النفطية، وبدون غرق الجيش الأميركي في حرب لا يرغب بها الداخل الأميركي ولا جمهور "أميركا أولاً".

من ناحية أخرى، يريد ترامب (مؤيد الصفقات) الحصول على مكاسب بدون أعباء وتكاليف، لذا هو لا يريد تكرار خطأ بوش في العراق (حلّ الجيش والبعث) الذي خلق الفوضى في العراق وأثّر على الشرق الأوسط. هو يريد "النفط والاستقرار"، وإذا كان جنرالات فنزويلا هم القادرون على توفير ذلك بعد التخلص من "الرأس المزعج"، فترامب سيفضل التعامل معهم بدلاً من المعارضة المشتتة التي قد لا تسيطر على الأرض.

إن صح هذا السيناريو، فسنجد أن النخبة الحاكمة في فنزويلا ستحافظ على تماسكها وتملأ الفراغ القيادي بسرعة، مستفيدة من أن الضربة الأميركية كانت "جراحية" (استهدفت الرأس) ولم تكن اجتياحاً شاملاً (إسقاط الدولة). وبما أن مستقبلها سيكون مرهوناً بالقدرة على موازنة مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية، فتقوم بترتيبات لاحقة، تبقيها في الحكم بينما يحصل الأميركيون على ما يريدون من مكاسب ويخففون العقوبات عن فنزويلا وينهون الحصار عن الشعب الفنزويلي.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل