أقلام الثبات
قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بغزوة خاطفة لفنزويلا واختطاف رئيس جمهوريتها بتهمة الاتجار بالمخدرات، وإعلان رغبته في حكم فنزويلا وتنصيب رئيس وسلطة سياسية تشرّع لأمريكا نهب ثروات فنزويلا واستعمارها دون تدخل عسكري وتعميم منظومتها الاستعمارية الجديدة القائمة على تنصيب أنظمة حكم "قائمة بالأعمال" تنفذ قراراتها، ليصبح رؤساء الجمهوريات والحكومة والنواب والوزراء مجرد موظفين يتلقون أوامرهم من موظف في وزارة الخارجية أو الدفاع الأمريكية ويتقاضون رواتبهم من حكوماتهم.
اعتمدت أمريكا منظومة "الاستعمار بالوكالة" للدول التي تملك ثروات الطاقة من النفط والغاز، فغزت العراق بحجة إسقاط صدام حسين، بعدما ورّطته في الحرب على إيران والكويت، وأقامت نظام حكم طائفي وقومي مع وجود عسكري وسياسي و وقامت برعاية "داعش" لغزو العراق، لإقامة حكم يتبع أمريكا كليًا، كما فعلت في سوريا ونصّبت حاكمًا عليها من الجماعات التكفيرية سبق وصنّفته بأنه إرهابي، واستطاعت استثمار ما تعرضت له المقاومة اللبنانية من ضربات "إسرائيلية"، فنصّبت سلطة سياسية تعمل على نزع سلاح المقاومة بناءً على طلب أمريكي - "إسرائيلي" دون أي مقابل، وفق سياسة "أعطوا كل ما تملكون مقابل عدم الغضب عليكم".
يمكن اعتبار القرن الحادي والعشرين قرن إعادة بناء "عالم جديد" ورسم خرائطه وفقًا للقرار الأمريكي، ويرتكزً على مفاهيم "الماسونية والصهيونية " تحكمه "الحكومة العالمية الواحدة"، ولا يكون فيه للإسلام والمسيحية مكان في العقل أو الأخلاق أو السياسة، ويتم استخدام الدين مرحليًا لتدجين وتهجين الشعوب، لقبول الاستعمار الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي، وصناعة علماء دين وجماعات تكفيرية وأحزاب، لتفجير الإسلام من الداخل والقضاء عليه من خلال النزاعات المذهبية والطائفية.
لقد حقّقت أمريكا نجاحات وانتصارات عديدة في مشروعها، لإقامة نظام عالمي جديد يتماشى مع رؤية المحافظين الجدد الذي أطلقه الرئيس" جورج بوش الأب"، وترتكز هذه الرؤية على تسخير موارد العالم البشرية والاقتصادية والطبيعية لخدمة أمريكا، والاعتراف بحق واشنطن في التصرف كما تشاء، وإحياء نظام قديم يقوم على التبعية، وإلغاء مفهوم الدول المستقلة واعتبارها ولايات أمريكية دون أن تتحمل هي نفقات إدارتها، بل ويتوجب عليها المساهمة في نفقات أمريكا، وفق نظرية ،تحاول إسرائيل تعميمها عبر الادعاء، بأن الشعبين "الأمريكي والإسرائيلي" هما "شعب الله المختار"، وأن الله خلق باقي الشعوب لخدمتهما.
استطاع الثلاثي العالمي الخبيث (أمريكا والماسونية والصهيونية) تنفيذ مراحل متعددة، لبناء هذا النظام العالمي الجديد، والذي يقوم على تفكيك التكتلات الكبرى وفق الخطوات التالية:
- المرحلة الأولى: تفكيك الاتحاد السوفيتي وإلغاء الكتلة الشرقية وحلف "وارسو"، اللذين كانا يمثلان نداً ورادعاً للكتلة الغربية وحلف الناتو وتستمر أمريكا في العمل على تفكيك الاتحاد الروسي.
- المرحلة الثانية: تفكيك الاتحاد الأوروبي وتهميشه سياسياً واقتصادياً، وإبعاد أوروبا عن دائرة التأثير الفعلي، وتحويلها إلى مشارك هامشي أو تابع للسياسة الأمريكية، أو مجرد حديقة لاستقبال اللاجئين الهاربين من الحروب التي أشعلتها أمريكا في الربيع العربي وأوكرانيا، مما أرهق الاقتصاد الأوروبي وزعزع تركيبته الديموغرافية والاجتماعية.
- المرحلة الثالثة: تفكيك العالم الإسلامي التي مثلت العقبة الأخيرة أمام أمريكا وقد نجحت أمريكا في تفكيك العالم الإسلامي عبر إثارة الانقسامات بين "السنة والشيعة"، ثم بين القوميات المختلفة كـ"العرب والأتراك والإيرانيين"، ثم عبر الخلافات المذهبية بين إسلام المذاهب والإسلام التكفيري، وأخيراً بين "المعتدلين والمتطرفين" داخل كل مذهب، وبين العلمانيين والمتدينين. وقد بالتزامن مع بروز تيار "المثليين" الجديد وافتعال الحروب بين الدول الإسلامية، لا سيما العربية، وتقسيم الدول الأفريقية - العربية، ويبدو أننا نقترب من مرحلة إنهاء العالم الإسلامي وشطب العالم العربي من الخريطة السياسية.
إن المشروع الأمريكي ليس قدرًا حتميًا لا يمكن هزيمته أو مقاومته، بل هو أوهن من أن يصمد ويتغلّب إذا ما قرّرت الشعوب والأنظمة المستضعفة ،توحيد جهودها واستثمار قدراتها البشرية والمالية والنفطية لحصار أمريكا، العاجزة عن احتلال العالم مباشرة بجيوشها، ويمكن فرض "حظر تجول سياسي وعسكري" عليها عالميًا.
إن بقاء الأنظمة والشعوب وحركات التحرّر في دائرة الخوف، أو محاولة شراء الرضا الأمريكي بتلبية مطالبه، سيسهّل ويسرّع بناء "العالم الأمريكي الجديد" الذي يلغي الأديان والأخلاق والسيادة الوطنية والشعوب المتحررة، ليصبح عالمًا يحكمه "السيد الأمريكي" ويطيعه العبيد متعددو الجنسيات والأديان والمعتقدات.
غادروا الخوف والتردد، وبادروا لتأسيس "الجبهة العالمية" لمقاومة المشروع الأمريكي...
"غزوة فنزويلا"... لصناعة عالم أمريكي جديد ــ د. نسيب حطيط
الإثنين 05 كانون الثاني , 2026 09:01 توقيت بيروت
أقلام الثبات
فنزويلا ليست جمهورية موز
حكومة "الهاتف الذكي" والسياسيين الأغبياء لنزع السلاح ــ د. نسيب حطيط
الرأس مقابل النظام: سيناريو الصفقة في فنزويلا ــ د. ليلى نقولا
التفريطيون أمام فشلهم ــ عدنان الساحلي