أقلام الثبات
تتميز هذه الحرب بين المقاومة اللبنانية والعدو "الإسرائيلي" بأساليبها الجديدة على محاورها الميدانية والإعلامية والنفسية، لم تظهر في الحروب السابقة بين المقاومة والعدو أو بين العدو والدول العربية التي خاضت أكثر من حرب، ففي اليوم السبعين للحرب الميدانية، ظهرت حرب إعلامية على مستوى المصطلحات والصور والفيديوهات، بما يعرف "بعسكرة الصورة"، حيث تعاطت المقاومة بمستوى النديّة والتنافس بينها كحركة مقاومة محاصَرة وبين "إسرائيل"؛ "الدولة العظمى في الإقليم عسكرياً وتقنياً والدعم العربي والدولي لها"، ومع ذلك استطاع المقاومون استجرار العدو إلى ساحة قتال بالصورة والفيديو، كان في أغلبها في موقع رد الفعل ودفعته لالتقاط الصور، لإظهار مصداقيته أمام جمهوره "الإسرائيلي" الذي فقد الثقة به وعدم تصديق أقواله ووعوده التي يطلقها ثم يتراجع عنها أو يكذب بتحقيقها ويعدّل في أهدافه أثناء الحرب، فيلجأ لإثبات مصداقيته، بنشر الصور المفبركة أو الحقيقية عن قتله للمقاومين أو الوصول إلى ملعب بنت جبيل أو نهر الليطاني وتدمير القرى، لتلقيح الذاكرة "الإسرائيلية" ببعض الجرعات المعنوية والانتصار بالحرب النفسية ضد المقاومة، بكسر المصطلحات بالقوة، لكن سرعان ما يقع في وهم الصورة ووهم محو المصطلح وفق التالي:
- صورة الليطاني: استغرق العدو سبعين يوماً لالتقاط صورة سريعة على نهر الليطاني ليؤكد لشعبه أنه استطاع تحقيق أحد أهداف اجتياحه بالوصول إلى الليطاني، ولو افترضنا أن ذلك حقيقي، وقد يحصل، فالليطاني لا يبعد في بعض نقاطه سوى 8 كلم عن الحدود، فهل يمكن إظهار وصول أقوى جيش في المنطقة إلى مياه النهر على انه إنجاز؟
والسؤال: هل استطاع الاستقرار بعد إعلانه أن العملية استغرقت تسعة أيام لالتقاط صورة؟
- "صورة الملعب": خاض العدو "معركة الملعب" التي قادها نتنياهو وأركانه من موقع على الحدود للوصول إلى ملعب بنت جبيل، للانتقام والثأر من "السيد الشهيد"، بعد 26 عاماً من خطاب التحرير فيه ووصفه "لإسرائيل" بأوهن من بيت العنكبوت، وذلك لإثبات خطأ مقولته والتقاط "صورة" له أو لجنوده في الملعب ليقول "ها قد عدنا يا نصر الله"!
- مصطلح "بيت العنكبوت": عملت "إسرائيل" 26 عاماً لكي تكسر مصطلح بيت العنكبوت وتطرده من ذاكرتها، لكن المقاومين أوقعوها في فخ الصورة؛ فبدل أن يكون بيت العنكبوت مصطلحاً خطابياً، صار صورة حقيقية بعد تغطية الآليات والدبابات بشبكات الصيد "كبيت العنكبوت"!
- فيديوهات "اصطياد المقاومين": تصوير المسيّرات "الإسرائيلية" وهي تقتل المقاومين على دراجاتهم النارية أو سياراتهم أو أثناء تحركهم في الميدان، لهزيمة المقاومة وأهلها نفسياً، وتأكيد عبثية المقاومة ضد "إسرائيل"، لكن المقاومة ردّت بتصوير مسيراتها الانقضاضية ضد الدبابات ومطاردة الجنود "الإسرائيليين" وسجنهم في "القن الحديدي"، وتكذيب الإعلام "الإسرائيلي" الذي ينفي إصاباته.
- مصطلح "حدث أمني صعب" الذي يهيمن على الإعلام "الإسرائيلي" وصار خبراً يومياً يعني خسائر كبيرة في الجنود.
- إنذار بالإخلاء: احتل خبر «إنذار بالإخلاء» ونشر الخرائط وصور الأبنية المهددة باللون الأحمر المشهد الإعلامي، واخترق الذاكرة الجماعية كنذير شؤم وقتل وترهيب.
شاركت الحكومة اللبنانية - وفق إطار العمل المشترك مع الحكومة "الإسرائيلية" - بحرب المصطلحات، فألغت مصطلح "المقاومة" في إعلامها الرسمي، وشطبت "العدو" أيضاً، ونزعت عن مواطنيها صفة المقاومين ووصفتهم "بالخارجين عن القانون"، واستخدمت مصطلح "تنظيف" جنوب الليطاني من المقاومة للإساءة المعنوية والأخلاقية ضد المقاومة، ولم ترد المقاومة حتى الآن عليها كما تفعل بالرد على حكومة العدو!
ظهر سلاح الصورة والفيديو والمصطلح كمحور من محاور "الاشتباك الرقمي" في هذه الحرب، واستطاعت المقاومة أن تتقدم على العدو بالنقاط، وأن يلعب إعلامها الحربي دوراً تعبوياً في بيئتها والرأي العام، بالتلازم مع تأثيره السلبي على القيادة "الإسرائيلية" أمام شعبها، والتي تضطر للاعتراف ببعض الخسائر بعد نفيها بسبب الصور التي تبثها المقاومة.
ندعو المختصين من إعلاميين ورسامين وسينمائيين للمشاركة في حرب المقاومة الثقافية والإعلامية بالصورة والفيديو واللوحة والأفلام الوثائقية، وإبراز صور التوحش "الإسرائيلي" في تدمير وتجريف القرى والأحراج والمقابر ومطاردة الأطفال لاصطيادهم من الجو، وذلك لحفظها في الذاكرة، لتكون حافزاً للأجيال القادمة لتستكمل مسيرة المقاومة، ولإدانة العدو ومحاكمته التي ستكون حتمية عاجلاً أم آجلاً، ولأن من يربح الصورة يربح نصف الحرب ويحمي التاريخ من التزوير.
الصورة واللوحة والفيلم الوثائقي يمكن أن يكونوا طلقة في ذاكرة العدو، وكلمة مضيئة على صفحات تاريخنا المجيد.
فلنقاوم بالصورة وبالكلمة وبالرسم، لأن الحرب "وجودية" وليست حرب تحرير أرضٍ أو دفاعاً عن النفس فقط.
حرب الصورة والمصطلح بين المقاومة والاحتلال "الإسرائيلي" _ د. نسيب حطيط
الأربعاء 13 أيار , 2026 11:17 توقيت بيروت
أقلام الثبات
استضافة ترامب لكأس العالم: فاشل في منطقة الجزاء.. وعاجز عن حراسة المرمى _ أمين أبوراشد
لتنظيم إدارة الحرب... لضمان الصمود _ د. نسيب حطيط
تغيير مفاجئ وطارئ في الموقف التفاوضي للسلطة اللبنانية... ما الذي طرأ؟ _ حسان الحسن