خاص الثبات
ما يجري اليوم في المنطقة ليس مجرد مفاوضات سياسية عابرة، بل مواجهة تاريخية مفتوحة بين مشروع الهيمنة الأميركية ـ الصهيونية وبين محورٍ استطاع، رغم الحصار والحروب والمؤامرات، أن يفرض نفسه لاعباً أساسياً في معادلات الإقليم والعالم. إنها مفاوضات تُدار فوق برميل بارود، حيث تتقاطع التهديدات العسكرية مع الحسابات الاستراتيجية، فيما تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بثبات، رافضة الخضوع، ومتمسكة بحقوقها وسيادتها وقرارها المستقل.
فالرد الإيراني على الرسائل الأميركية التي نُقلت عبر الوسيط الباكستاني، لم يكن رد دولة مأزومة تبحث عن نجاة، بل موقف قوة يدرك تماماً حجم التحولات الدولية والإقليمية. فطهران التي صمدت لعقود في وجه العقوبات والحصار والاغتيالات والحروب الناعمة والخشنة، تعلم اليوم أن واشنطن لم تعد تملك القدرة على فرض شروطها كما كانت تفعل في العقود الماضية، وأن زمن الإملاءات الأحادية يتهاوى أمام صعود قوى جديدة وتغيّر موازين القوى العالمية.
في المقابل، يعيش الكيان الصهيوني بقيادة بنيامين نتنياهو حالة ذعر حقيقية من أي تفاهم أميركي ـ إيراني محتمل. فنتنياهو، الذي بنى مشروعه السياسي على صناعة الخوف من إيران والتحريض على الحروب، يدرك أن أي تسوية تعني سقوط جزء كبير من سرديته الأمنية والسياسية. لذلك يتحرك بكل ثقله داخل المؤسسات الأميركية والغربية لتعطيل أي اتفاق، ويواصل وضع العصي في دواليب المفاوضات، لأن استقرار المنطقة يعني تلقائياً تراجع قدرة “إسرائيل” على الابتزاز والعدوان وفرض نفسها كشرطي للمنطقة.
أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيبدو أسير تناقضاته. فهو يرسل إشارات عن قرب التوصل إلى اتفاق، ثم يعود ليرفع منسوب التهديد والوعيد، متحدثاً عن العقوبات والحصار والسيطرة على مضيق هرمز. وهذه الازدواجية لا تعبّر عن قوة أميركية، بل عن مأزق حقيقي تعيشه الإدارة الأميركية التي تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران لن تكون نزهة، بل حرباً مدمرة قد تشعل المنطقة بأكملها وتهز الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ظل أزمات الطاقة والتضخم والانقسام الداخلي الأميركي.
وما يزيد من تعقيد المشهد أن إيران لم تعد وحدها كما كانت تُصوَّر سابقاً. فمحور المقاومة الممتد من فلسطين إلى لبنان والعراق واليمن أثبت أنه قادر على قلب المعادلات وإرباك المشاريع الأميركية والصهيونية. ومن هنا، تدرك واشنطن جيداً أن أي استهداف مباشر لإيران قد يفتح أبواب المنطقة على مواجهة شاملة تتجاوز حدود الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط وكل المصالح الغربية في المنطقة.
إن حقيقة ما يجري اليوم تكمن في أن الولايات المتحدة تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه بعد سنوات من الفشل في إخضاع إيران، بينما تتفاوض طهران من موقع القوة والثقة، مستندة إلى صمود شعبها، وتماسك مؤسساتها، وتنامي قدراتها العسكرية والاستراتيجية، إضافة إلى التحولات الدولية التي لم تعد تسمح لواشنطن بالتصرف كقوة مطلقة فوق العالم.
وعليه، فإن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية: إما نجاح المفاوضات في إنتاج تفاهمات جديدة تعترف بالحقائق التي فرضتها قوى المقاومة على الأرض، وإما ذهاب نتنياهو والإدارة الأميركية نحو مغامرة جنونية قد تشعل حرباً إقليمية كبرى لن يكون بمقدور أحد السيطرة على نتائجها.
لكن الثابت حتى الآن، أن إيران ومحور المقاومة أثبتوا أنهم ليسوا في موقع التراجع أو الانكسار، بل في موقع من يفرض شروط الاشتباك الجديدة، ويعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات في المنطقة، مهما ارتفعت أصوات التهديد والتحريض.
حرب الصورة والمصطلح بين المقاومة والاحتلال "الإسرائيلي" _ د. نسيب حطيط
استضافة ترامب لكأس العالم: فاشل في منطقة الجزاء.. وعاجز عن حراسة المرمى _ أمين أبوراشد
لتنظيم إدارة الحرب... لضمان الصمود _ د. نسيب حطيط
تغيير مفاجئ وطارئ في الموقف التفاوضي للسلطة اللبنانية... ما الذي طرأ؟ _ حسان الحسن