أقلام الثبات
لم يعُد وجود أحمد الشرع في القصر الرئاسي السوري جزئية ذات أهمية في الوضع العام، لأنه اسمياً محسوب على الطائفة السنِّية، بعد نصف قرن من الحكم العلوي كان فيه السنُّة يشكلون أكثر من 70 % من دوائر القرار المدنية والعسكرية، وبالتالي لم يكن الحُكم علوياً بقدر ما كان تشاركياً مع باقي مكونات الشعب السوري، مع فارقٍ كبير؛ أن الرئيس الراحل حافظ الأسد كان يملأ كرسيه مهابة، ونجله بشار لم يكُن أقلّ منه شأناً في ضبط البلاد لفترة طويلة، بحيث يبدو الشرع بعدهما وكأنه شخصية كرتونية قابلة للطيّ من أيٍّ كان، فاقد التدبير والحيلة، مطواع لجميع الدول الطامعة، إقليمية كانت أم دولية، وبلاده التي كانت واحدة موحدة، خارطة أقاليمها تُرسم في الخارج، وربما دانت ساعة الصفر لبدء إعلان الفيدراليات قبل الوقوع في المحظور وحلول التقسيم الأشبه بالتمزيق على أنهار من دماء.
السياسي السوري سمير نشَّار، الذي كان يشغل مركز رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، وعضو سابق في المكتب التنفيذي للمجلس الوطني قال في إطلالة تلفزيونية منذ أيام: أنا سبق وتوجهتُ بنصيحة إلى السيد أحمد الشرع؛ أن الفيدرالية هي الحل الوحيد لسوريا، وهي ليست تقسيماً ولا انفصالاً، بل هي أقاليم جغرافية، لا عرقية ولا مذهبية، تدير أمورها المحلية بنفسها عبر ممثلين عنها في انتخابات شعبية.
وأضاف نشَّار: "أنا سوري عربي سنِّي من محافظة حلب، وأطالب بأن تكون حلب إقليماً فدرالياً، كي لا يُقال إني أجامل الأكراد والعلويين والدروز في مطالبهم بأقاليم فدرالية، وأكرر نصيحتي للشرع أن يسير بالحلول الفيدرالية كي لا يقع التقسيم في سوريا".
لكن لخبير العلاقات الدولية السوري الدكتور إياس الخطيب مخاوفه، أن تحقيق الفدراليات في سوريا سوف يُشعل الساحات، لأن الصراع الدولي على الأرض السورية بات بين محورين: محور أميركا و"إسرائيل" والغرب، ومحور تركيا وإيران والصين، وأنه متى تقرر إسقاط أحمد الشرع فإن تركيا هي التي ستُسقطه، وبقدر ما يقترب من "إسرائيل" بقدر ما ستسعى تركيا للتعجيل بسقوطه.
في نفس الوقت، ووسط تفاؤل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتانياهو بقرب تحقيق تفاهم بين سوريا و"إسرائيل"، يقول الدكتور الخطيب، إن "إسرائيل" لم تحصل فقط على الجولان بل ضمت إليها مرتفعات جبل الشيخ إضافة إلى السيطرة الجوية والنارية على كامل الجنوب السوري بما يعادل مساحة كل لبنان، وإن "إسرائيل" لن تسعى إلى اتفاق أمني يلزمها بحدود معينة في الوقت الحاضر.
على المستوى الجماهيري في سوريا، لا خلاف على تزكية سُنِّي لرئاسة البلاد، سواء بدولة سورية موحَّدة، أو بفدراليات، لكن يبدو أن ساحة البحث بهذه الأمور ضيقة جداً، ولا يتمّ التداول سوى باسم سنِّي عربي هو العميد مناف طلاس، يقابله سنِّي كردي هو مظلوم عبدي، وتركيا التي تدير سوريا حالياً من فندق Four Season في دمشق، تضغط للإتيان بمناف طلاس، كونه يطرح وحدة الدولة السورية ويقطع الطريق على مظلوم عبدي الذي كان أول من طرح الفدرالية، لان قيام "دولة" حكم ذاتي كردي في شمال شرق سوريا على الحدود التركية، سوف يفتح شهية أكراد تركيا للانفصال، لا بل أكراد العراق وإيران أيضاً والذهاب بعيداً في حلم "كردستان الكبرى"، وهذا ما أعلنه مظلوم عبدي جهاراً، أن مشروعه سيبدأ في العام 2026، وسيعمل لإنشاء وطن يضم أكراد الدول الأربع: سوريا والعراق وتركيا وإيران.
والخلاف السنِّي - السنٍّي في سوريا لا يقتصر على المفاضلة بين العربي والكردي، بل صراع بينيّ في الوسط السنِّي العربي بين أجيال عمرية، منها مَن عاشت في ظل حكم حزب البعث ويقظة القومية العربية في دولة قوية، وجيل نشأ في ظل "الثورة" وانتمى إلى أحزاب وميليشيات المعارضة منذ العام 2011، وشبَّ البعض على التكفير دون أن تكون لديه طروحات وطنية يُقارب بها المواطن الآخر المختلف عرقياً وطائفياً.
وإذ تبدو طويلة معاناة سوريا، بسبب انقسامات الخارج على حصص قالب الحلوى، وانقسامات الداخل الأكثر تعقيداً، فإن بعض هذا الداخل في حالة ترقُّب للمواقف الخارجية، وكان آخرها الموقف التركي الخائب الذي حدد موعداً لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" لتنفيذ اتفاقية آذار مع حكومة الشرع، والاندماج الكامل لقواتها ضمن وزارة الدفاع السورية خلال موعد أقصاه 31 كانون الأول الفائت، وإلَّا فإن الجيش التركي سيهاجم مناطق "قسد"، وجاءت النتيجة إعلان الحكومة التركية في نهاية مهلة التهديد والوعيد، أنها تضع قواتها بتصرف حكومة الشرع في حال قررت هذه الحكومة مهاجمة "قسد".
في الخلاصة، ووسط انزلاق الأمور نحو فدراليات فوضوية، فإن إقليم الأكراد هو الأوحد الذي يمتلك مقومات دولة، فيما وضع العلويين غير موحَّد بعد أن أطلَّ رجل الأعمال رامي مخلوف لمقارعة الشيخ غزال غزال والتملُّق لأحمد الشرع، وفيما الدروز قد اقتطعوا ما يشبه "ميني إقليم" يحتاج الى الكثير من الدعم والتنظيم، يبقى الإقليم السنِّي على قائمة الانتظار لموعدٍ بعيد، قد يكون فتات قالب الحلوى، وسط حديثٍ مخيف في الأوساط السنِّية العالمة ببواطن الأمور، أنه قد لا يبقى هناك كيان سياسي اسمه سوريا على خارطة العالم، وسترتسم بدلاً منه ولايات وأقاليم...
اتفاقية ترامب – نتنياهو لتقسيم العرب إلى عائلات وقبائل _ د. نسيب حطيط
بهية الحريري تخرج عن صمتها: تضع النقاط على الحروف في قضية "اتصال الأمير الوهمي"
أميركا... والمعركة الأخيرة في إيران _ د. نسيب حطيط