نحن أسرى الزمن... بين الولادة والأجل ــ د. نسيب حطيط

الخميس 01 كانون الثاني , 2026 10:31 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
استيقظت هذا اليوم لأجد أن تاريخ العام قد تغيّر في جهاز الكمبيوتر والهاتف دون أي تدخل مني؛ فقد زاد رقماً واحداً، رغم أنني لم أقرر ذلك أو أؤثر في إيقاف الزمن الذي تحفر عقاربه صخرة العمر وتنحت أيامه بحياتي وحياة كل مولود لهذه الحياة.
 لا قرار لي ولا لكم في تمديد النهار أو تأخير الليل، فكلنا مأمورون بالعمل وفق سنة الله سبحانه {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا}.
عامٌ جديد لا نعرف هل نفرح له أم نحزن، ونحن نعلم أن المسافة نحو مقرّنا الأبدي قد اقتربت سنة، وابتعدنا عن الحياة الدنيا مسافة سنة أيضاً، وبدأت تلوح في الأفق بعض مشاهد آخر العمر من شيخوخة وأمراض، فتضمُر الرغبات وتذوي، ويتواضع البعض حتى يحلم ويدعو أن يعيش بقية عمره كريماً، بصحة وعافية وعقل سليم، لكن كثيراً يَغفلون عن مطلب أساسي، وهو أن يرزقهم الله العافية في الدين والثبات على صراطه وتوحيده وعبوديته، وأن لا تزل أقدامهم بعد ثبوتها، حتى لا يكونوا من الأخسرين أعمالاً.
 كلما استُهِلَّ عام جديد، قَصُرت المسافة نحو الآخرة، ويتعاظم صوت جرس الدعوة للانطلاق، مما يوجب على العاقل أن يبدأ بجمع زاد سفره، والتخلص مما لا يحتاجه أو يعيق تسهيل سفره من معاصي الدنيا، وأن يسعى لتأمين ما يحتاجه في سفره البعيد من صلاة وصوم وعمل معروف وخير، يستطيع عبرها كسب الرضا الإلهي الذي يجلب الثواب والأجر والرحمة، لتكون النفس "مُطمئنة" عند رجوعها إلى خالقها غير خائفة أو قلقة، يؤنسها حسن الظن بالله الرحمن الرحيم الذي يقبل التوبة ويتجاوز عن كل ذنب إلا "أن تُشرك به"، فمن وحّد الله وآمن به اجتاز الحاجز الأصعب في السير نحوه سبحانه وتعالى، ولم يبق له في سيره سوى التعبّد والصدق وحسن الأخلاق والمعاملة. 
لا تيأسوا من رحمة الله {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}، مهما كانت المصاعب كما نعيش الآن، ولا يصدّنكم عن طريق الله بعض من يدّعون أنهم وكلاء الله، على الأرض سواء كانوا معمّمين، أو ملحدين، أو مشككين، فلا تسمعوا لهم. فالعاقل لا يحتاج إلى وسيط بينه وبين الله سبحانه، الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد. ادعوا الله وخاطبوه مباشرةً، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. فهو السميع البصير، ولستم بحاجة إلى وسيط أو ساعي بريد قد يسرق ما تقدموه في سبيل الله، أو يزوّر ما تكتبون، أو يلوّث ما تفعلون.
في اليوم الأول من العام الجديد، وككل يوم، أُجدّد العهد مع الله سبحانه وتعالى بأن أكون عبدًا له وحده، وعاملاً في سبيله وحده، أبتغي رضاه دون رضا المخلوقين، وأخشى غضبه دون غضبهم. أسأل الله أن يجعل كل قولي وفعلي في سبيله وطاعته، وأن ينجيني ويكرمني من أن أكون "عابدًا" للأصنام المعاصرة، سواء كانت تنظيمًا، أو حزبًا، أو زعيمًا، أو منصبًا، أو جاهًا، أو مالاً، أو أي شيء يوقعني في "الشرك الخفي" سواء عن قصد أو غير قصد.
لا نستطيع تغيير الزمن أو إيقافه، لكن يمكننا استثماره لجمع حصاد الآخرة، لا لجمع ما يكون حطبًا لعقابنا.
كل عام وأنتم بخير وعافية في دينكم ودنياكم، وأدعو الله أن تبقوا دائمًا عبيدًا له وحده، فهو الرزاق، الرحيم، الكريم، العادل، والجبار المنتقم.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل