رسالة الى غبطة بطريرك الموارنة: كن الراعي الصالح.. ولا تكن "أجيراً" _ د. نسيب حطيط

الأحد 30 تشرين الثاني , 2025 02:32 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
قبل وصول البابا إلى لبنان، أصدر بطريرك الموارنة اللبنانيين بشارة الراعي موقفًا سياسيًا ذا طابع ديني، دعا فيه إلى نزع سلاح المقاومة المبادرة للتفاوض المباشر مع "إسرائيل"، وتوقيع السلام معها، واستدرك بأن هذا لا يعني التطبيع، دون توضيح كيفية تحقيق ذلك!
يمثل البطريرك شريحة مسيحية لبنانية تنادي علنًا بالتطبيع، وهي جهة تعاملت مع "إسرائيل" منذ خمسين عامًا، ويبدو أنها ما زالت كذلك، على الأقل في مواقفها السياسية التي تتفق مع الموقف "الإسرائيلي" في عداء المقاومة، وتتطوّع لتنفيذ المطلب "الإسرائيلي" بنزع السلاح، وتشكل دعامة رئيسية على المستوى الحكومي والنيابي والطائفي للسلطة السياسية الجديدة التي اتخذت قرار نزع السلاح وحدّدت مهلة لتنفيذه، بناءً على أوامر أمريكية وشروط "إسرائيلية".
يحاول "بطريرك الموارنة" تمهيد الطريق للبابا والإيحاء بأن "السلام" مع "إسرائيل" والتفاوض المباشر معها هو مطلب لبناني يجب على البابا دعمه والمطالبة به، ويبدو أن البطريرك الراعي قد نسي الموقف "الإسرائيلي" اللامبالي، الذي لم يكلف نفسه عناء الرد على الموقف الرسمي اللبناني الذي أعلنه رئيسا الجمهورية والحكومة، معبرين عن استعدادهما "للسلام" مع "إسرائيل"، بل وأهانتهما، واعتبارهما الطرف غير المؤهل للتفاوض أو القادر على تنفيذ ما يتفقان عليه ومن المتوقع أن يكون موقف "إسرائيل" من البطريرك الراعي مماثلاً، لأن "إسرائيل" لا تريد "السلام" مع العرب، بل تريد فرض الاستسلام.
لا يريد البطريرك الراعي تصديق الحقائق وما ارتكبته "إسرائيل" بحق المسيحيين في فلسطين ولبنان، وما فعلته الجماعات التكفيرية التي ترعاها أمريكا بالمسيحيين في سوريا والعراق، وهو الذي صرّح قبل أيام بأن نزيف وهجرة المسيحيين من سوريا أمر خطير، لأن سوريا تحولت إلى "دولة إسلامية" على عكس ما كانت عليه في عهد سوريا الأسد، حيث بقي المسيحيون مواطنين سوريين شركاء في الحكم، وينعمون بالأمن على عقيدتهم وبيوتهم وتجارتهم، ولم يتعامل معهم النظام السابق ككفار أو مشركين، على عكس تعامل النظام الحالي معهم.
يبدو أن البطريرك الراعي لا يريد أن يتذكر ما فعلته إسرائيل بالمسيحيين الذين خدموها في "جيش لحد" في جنوب لبنان، حيث انسحبت وتركَتهم دون إبلاغهم وقد طالبوا بضمان أمنهم قبل الانسحاب، لكن إسرائيل تخلّت عنهم وعن عائلاتهم على الحدود، تاركة إياهم يتوسلون لفتح بوابة فاطمة، ولولا الموقف النبيل والوطني للمقاومة التي لم تنتقم أو تثأر منهم، لكان مصيرهم مأساوياً، فهم كانوا عراة من حماية "إسرائيل"، وعملائها وجنودها، ولبّوا مطالبها، وكانوا أول من تعامل وطمع وأعلن السلام مع "إسرائيل"، فكان مصيرهم التهجير من لبنان والتشريد في "إسرائيل"، وكما تركت القوات للبنانية في دير القمر بعد معارك الجبل مع الدروز ... فهل يريد البطريرك الراعي أن يصبح كل الشعب اللبناني، بعد إعلان "السلام" مع "إسرائيل"، كجيش لحد وعائلاتهم؟
يصرّ البطريرك الراعي أن ينتمي إلى القيادة المسيحية التي تعرّض المسيحيين لخطر وجودي وهي القيادة التي أشعلت الحرب الأهلية اللبنانية بالتعامل مع إسرائيل، وشاركت في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وهي اليوم تجاهر بتضامنها مع من يهدف إلى تهجير المسيحيين من سوريا "الرفيق الجولاني"، وتطالب بالتعامل والسلام مع "إسرائيل" التي هجّرت المسيحيين من فلسطين ومن جنوب لبنان.
الخاسر الأكبر من قيام الكيان "الإسرائيلي" واحتلال فلسطين هم المسيحيون الذين فقدوا كنيسة القيامة وكنيسة المهد وأماكنهم المقدسة، كما أن الخاسر الأكبر من نظام التكفير في سوريا هم المسيحيون أيضًا، شأنهم شأن بقية الأقليات الدينية وأهل السنة المعتدلين.
الخاسر الأكبر من التعامل والتطبيع مع إسرائيل في لبنان والقضاء على المقاومة التي حمّت المسيحيين في لبنان وسوريا هم المسيحيون الذين كانوا أدوات إسرائيل في حروبها على لبنان وخلال الحرب الأهلية.
غبطة البطريرك.. أنت تمثل "نصف ثلث" اللبنانيين، ولا يحق لك أن تفرض على بقية اللبنانيين التفاوض المباشر والسلام مع "إسرائيل".
غبطة البطريرك.. هل تعلم ان "إسرائيل" لم تكرمكم مع كل مواقفكم المؤيدة لها ولم تحترم البابا والوساطة الفرنسية، ولم تقبل وقف القصف على لبنان اثناء زيارة البابا.
غبطة البطريرك.. أذكرك بقول السيد المسيح (عليه السلام): "أَنا الرَّاعي الصَّالِح والرَّاعي الصَّالِحُ يَبذِلُ نَفْسَه في سَبيلِ الخِراف وأما الأجير، وهو لَيسَ بِراعٍ ولَيستِ الخِرافُ له فإِذا رأَى الذِّئبَ آتياً تَركَ الخِرافَ وهَرَب فيَخطَفُ الذِّئبُ الخِرافَ ويُبَدِّدُها. وذلِكَ لأَنَّهُ أَجيرٌ لا يُبالي بِالخِراف...".. فكن راعياً صالحا كما السيد المسيح (عليه السلام)، ولاتكن "أجيراً"...


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل