أقلام الثبات
عقد الثنائي الأميركي برّاك - أورتاغوس مؤتمراً صحفياً في القصر الجمهوري، لتوضيح الرد "الإسرائيلي" على الورقة الأميركية التي وقّعتها السلطة اللبنانية، واستغرب الضجة التي يثيرها الصحفيون ، خلاف ما اعتاد عليه من صمت مفاوضيه في جلساته الرسمية ،مما أثار غضبه وانفعاله، فهدّدهم بالمغادرة ،كما هدّد السلطات الرسمية بالمغادرة وعدم إكمال وساطته في حال لم يوقّعوا على الورقة دون تعديل، وضمن المهلة التي حدّدها لهم!
تعامل برّاك مع الصحفيين في القصر كأطفال مشاغبين، ووصف تصرفهم "بالفوضوي والحيواني"، وأكمل مؤتمره ،بعد التهديد بالمغادرة ،فصمت الصحفيون المساكين وخافوا ترك المؤتمر حتى لا تطردهم وسائل إعلامهم حيث يعملون ،خصوصاً أن اكثرها من المؤيدين والتابعين للمبعوث الأميركي ومشروعه "الإسرائيلي"، ومع ذلك لم تشفع لها تبعيتهم وتأييدهم، فشتمهم لأنهم أزعجوه كما يشتم السيدُ "العبدَ" الذي يملكه ويجلده بالسياط، فجلدهم "برّاك" بسوط لسانه.
ما قاله المبعوث الامريكي ليس هفوة أو زلّة لسان ،بل منهج وسلوك أميركيَّين للتعامل مع الأتباع ،بعدما اطمأن الى موضوع "نزع السلاح" وبدأ يتعامل مع لبنان وشعبه ومسؤوليه وحكومته على أنهم بلا سلاح وبلا مقاومة ويستطيع التعامل معهم كما يتعامل مع السلطة الفلسطينية والسلطة السورية الجديدة، وكما يتعامل مع باقي الحكام العرب، لأن من ردعه وأدّبه لا يزال في حالة الشفاء والإعداد وسيعود إلى تأديبه مرة أخرى ويجبره على المغادرة كما أجبره في المرة الأولى.
تُواصل أميركا إسقاط كل مواقع القوة والسلطة في لبنان، فبعد إسقاطها للسلطة السياسية التي تعمل بالإكراه او بالطواعية بتنفيذ الأوامر الأميركية - "الإسرائيلية"، مقابل الحصول على شيء يُبيّض وجهها، لكنها أعطت كل ما تملك وما لا تملك (السلاح) ولم تحصل حتى على وعدٍ أو ضمانة أو احترام.
تحاول أميركا إسقاط الصحافة الحرّة في لبنان التي لا زالت تشكل أحد مواقع المقاومة، بقدرتها على كشف المخططات "الإسرائيلية" والأميركية وفضح المؤامرات وكشف الأسرار للجمهور، لذا تحاول أمريكا إهانتها وشتمها وتطويعها بالمال والتهديد والترهيب.
الصحافة اللبنانية والإعلاميين أمام اختبار حقيقي، فإما ان يبتعلوا السنتهم ويكسروا أقلامهم ويقبلوا الإهانة والشتائم التي وصفها بهم المبعوث الأميركي وإما أن ينتصروا لكرامتهم وكرامة لبنان ويعلنوا الإضراب العام وعدم صدور الجرائد ووقف البث التلفزيوني رمزياً، ومقاطعة المبعوث الأمريكي، خصوصاً في زيارته اليوم للجنوب وكذلك مقاطعة المسؤولين اللبنانيين الذين لم ينتصروا لكرامتهم وكرامة الصحافيين وهم في ضيافتهم.
فلتبادر نقابات الصحافة والمحررين وكل النقابات والهيئات الإعلامية لإصدار موقف موحّد والمطالبة باعتذار "الحاكم الأميركي"، وإن لم يبادر اهل الإعلام والصحافة لحفظ كرامتهم، فإنهم يوقّعون على "صك" عبوديتهم.
كيف يمكن الاطمئنان على مستقبل لبنان الذي سيكون بيد محاورٍ أميركي شتّام يهدّد باستمرار؛ مرة بضم لبنان الى سوريا، وطوراً بالانسحاب وترك "إسرائيل" تدمر لبنان، وأُخرى بشتم الصحفيين داخل القصر وليس داخل السفارة ، متجاوزا آداب الضيافة (ضيفٌ أجنبي يشتم ضيفاً لبنانياً، وترافقه مساعدة أخرى مره تشتم زعيماً سياسياً وتسأله عن نوع المخدرات التي يتعاطاها، فيصمت ولا يرد، ومرة "تمد لسانها" بحركة غير مؤدبة في مقر رسمي ايضاً، للتعبير عن موقفها من أحد القادة اللبنانيين) ما يعني اننا نفاوض وفداً من "الكاو بوي" ، لا يتقّن الدبلوماسية وآدابها، بل يتصرّف كمحتل يحكم لبنان ويتّصف بالغرور والتوحش السلوكي .
تثبت الوقائع أن من لا يمتلك القوة التي تحمي كرامته وأرضه سيتحول الى "عبدٍ" ذليل ،بلقب رئيس او وزير او نائب او صحفي او رجل دين ، يسلبه القوي "الأميركي والإسرائيلي" كل ما يملك ويفرض عليه ما يشاء وأن الوطن لا تحميه الدبلوماسية السياسية ولا التنازلات ولا الزحف، لتمكين "الإسرائيلي" والأميركي من امتطاء ظهره.
سيبقى السلاح الشريف المقاوم حامياً للبنان واللبنانيين، للدولة وللصحفيين، لكل الناس حتى الخصوم الذين يطعنون المقاومة !
هل يستيقظ أهل السلطة السياسية وبقية خصوم المقاومة ويعودوا الى رشدهم ووطنيتهم ويتوقفوا عن طعنها والغدر بها، لتتمكن من "إعادة إعمار" أسوار الحماية والدفاع عن لبنان؟
فليبدأ الصحفيون والإعلاميون المقاومة بالكلمة، لتتكامل مقاومتهم مع المقاومة بالرصاص، الآتية حتماً، بإذن الله، عاجلاً ام آجلاً.
سيرحل الشتامون والمهدّدون والمحتلّون... كما رحلوا في المرة السابقة.
"الثنائي الأميركي"... والحوار مع الحيوانات والفوضويين ــ د. نسيب حطيط
الأربعاء 27 آب , 2025 08:46 توقيت بيروت
أقلام الثبات

