أقلام الثبات
طوال ثلاثة عقود تحمّلت المقاومة أثقال حلفائها الضعفاء، وقدّمت لهم ما تملك من دعم مالي وسياسي ومعنوي وانتخابي، وأوقفت عمل المؤسسات؛ من رئاسة الجمهورية والحكومة، لفرض بعض الأشخاص، بحجة أن انتخابهم يحمي المقاومة وسلاحها؛ في قراءة يشوبها الالتباس وعدم الدقة ،حيث إن المقاومة وسلاحها هما من يحمي الأشخاص والاحزاب والمناصب وليس العكس، وعطّلت دورة الحياه السياسية المؤسساتية عدة سنوات؛ في تجربتين ثبت عدم صوابتهما، حيث إن من عطّلت المقاومة - سواء كطرف منفرد او كثنائية شيعية - البلد من أجلهم ،لتثبيتهم في رئاسة الجمهورية او الحكومة، سرعان ما انقلبوا على المقاومة وسلاحها، وتحميل المقاومة خراب البلد، وبدؤوا يصدحون بضرورة حصرية السلاح بيد الدولة، ومطالبة المقاومة بتسليم سلاحها حتى صرنا لا نميّز بين "القوات اللبنانية" واليمين المسيحي، الذي كان واضحا بموقفه ضد المقاومة وبين حلفاء المقاومة الذين التحقوا بمسيرة حلفاء "اسرائيل"، وأعلنوا مبايعتهم لنتنياهو ومطالبه بدل السيد الشهيد وسلاح المقاومة، وتأييدهم لمطلب تسليم السلاح او نزعه.
استمر هؤلاء السياسيون "يلعقون" من مائدة المقاومة أكثر من 30 عاماً، ولو تركتهم المقاومة او الثنائية لكان وزنهم السياسي لا يتجاوز منصب مختارٍ في منطقة او حزب معزول دون كتله النيابية، او أشخاصاً لا يحترمهم الشارع ،لعدم كفاءتهم وضعف حضورهم وإمكانياتهم المالية والشخصية.
قفز "أولاد القصعة" الانتهازيون والوصوليون من إعلاميين وسياسيين وموظفين من سفينه المقاومة بعد استشهاد سيدها والضربات التي تلقتها، ولم يكتفوا بالفرار، بل انتقلوا الى جبهة الأعداء والخصوم يطلقون سهامهم ورصاصهم باتجاه المقاومة، وكشفوا أسرارها وخططها وطرق عملها، وتعاطيها مع الطوائف والأحزاب ،مُعلنين ولاءهم للأسياد الجدد ،لأنهم سياسيون للإيجار وإعلاميون للإيجار، وعلماء دين للإيجار ، ليتبين أن المقاومة لم تُحسن اختيار حلفائها، ووقعت في فخ الاعتماد على المدّاحين والمتزلفين والكذبة الذين يعملون وفق منهج "الأوتو ستوب" السياسي والإعلامي، فيركبون الأحزاب السياسية ومؤسساتها، وينزلون منها عندما تتعطل أو يتم تفتيشها عند الحواجز او زحمة السير، ويواصلون طريقهم ويتركوها.
أثبتت الوقائع "غدر" أكثر الحلفاء والإعلاميين والسياسيين، إما بسبب سوء الاختيار أو نذالة الحلفاء واسترزاقهم او الأمرين معاً، واستطاع التحالف الأميركي - العربي - "الإسرائيلي" نزع سلاح الحلفاء من أيدي المقاومة، ونزع وشراء البيئة الحاضنة للمقاومة من الطوائف والأحزاب اللبنانية، وحصر المقاومة "بالطائفة الشيعية" وبعض الشرفاء الذين تحاصرهم طوائفهم أيضاً، وتم إطباق الحصار والخناق الداخلي على المقاومة، بالتلازم على الحصار الخارجي والضغط العسكري "الإسرائيلي" بالاغتيالات والقصف، ليستثمر التحالف الأميركي هذه المنظومة من الحصار للمقاومة بطبقاتها ومستوياتها وألسنتها المتعدّدة، وإلزام السلطة اللبنانية بإصدار قرار "حصرية السلاح" ونزعه ،لسلب المقاومة شرعيتها القانونية والرسمية، وابقائها تحت مظلة الشرعية الدينية والإنسانية للدفاع عن النفس.
تعيش المقاومة وأهلها تحت الحصار والحرب المتعدّدة المحاور، وتصيبها السهام من كل اتجاه؛ من الحلفاء والخصوم والأعداء؛ كما كان الحال مع انطلاقة الإمام موسى الصدر في حركته الإصلاحية والمقاومة، فكانت سهام السلطة والحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية والعدو "الاسرائيلي" والشاه الإيراني وبعض العرب في جبهة واحدة، تستهدف القضاء على مشروعه المقاوم، وتم اختطافه "بشراكة الجميع" لوأد وقتل هذا المشروع، ويعيد التاريخ نفسه (شهر آب)، بعد 47 عاماً على اختطافه ،ومحاولة اختطاف المقاومة وقتلها، بعدما توحّدت جبهة الخصوم والحلفاء والسلطة و"إسرائيل" وامريكا وبعض العرب.
سيبقى المشروع المقاوم برعاية الله سبحانه وارادة أهله الشجعان الصادقين، وكما حمى الله المشروع المقاوم بعد اختطاف قائده "الصدر" سيحمي المشروع المقاوم ولن يُذَل عباده الصالحون ،مهما كانت التضحيات والأثمان وبذل الدماء.
مسؤولية قوى المقاومة مراجعة منهجها في التحالفات والقرارات السياسية، وتجاوز معادلة رهن الوطن والمؤسسات ،لحفظ الأشخاص ،فالأساس والصواب أن يكون الأشخاص والمناصب في خدمة الوطن والقضية ، بعدما أثبتت التجربة فشل الرهان على الأشخاص وعهودهم، فالضمانة من الله سبحانه والقوة التي نملكها وليس الشخص الذي تنتخبه ليحميك، فربما أمسك الخنجر الذي اعطيته له للدفاع عن نفسه وطعنك في ظهرك، ليتخلّص من كل وعوده وديونه..
أدعو الله ان تستفيد المقاومة بحكمتها وعقلانيتها من تجاربها، وتعمل على تصحيح مسار العلاقات والتحالفات لما فيه خير المقاومة وأهلها ولبنان ، لكن لستُ متفائلاً!
انقلاب حلفاء المقاومة... وتبنّيهم للموقف "الإسرائيلي" _ د. نسيب حطيط
الإثنين 04 آب , 2025 01:19 توقيت بيروت
أقلام الثبات

