العدوان على غزة.. تهجير متبادَل على رقعة شطرنج ــ أمين أبوراشد

الثلاثاء 12 آذار , 2024 11:11 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

مضى أكثر من شهر على قرار الجيش "الإسرائيلي" في التاسع من فبراير الماضي، الدخول بعملية برية إلى رفح ذات المليون وأربعمئة ألف نسمة، بصرف النظر عن إشكالية هذا الهجوم لناحية ما نصَّت عليه اتفاقية كامب دايفد مع مصر، حول العدد المسموح به من العسكريين والآليات في الرقعة "دال" من منطقة رفح، ومحور فيلادلفيا الذي تدَّعي "إسرائيل" أن تحته أخطر الأنفاق التي استخدمتها وتستخدمها حماس لتهريب الأسلحة والعتاد من سيناء إلى داخل القطاع.

ومهما اتخذت مسألة العدوان على غزة أبعاداً دولية وأحجاماً إقليمية، تبقى مسألة تهجير المدنيين من الطرفين ذريعة حروب قادمة: مليون ومئتي ألف فلسطيني من شمال القطاع الى وسطه، ومن ثم إلى جنوبه وبالعكس، والتهجير الذي فرضته حماس على المستوطنين "الإسرائيليين" في بلدات غلاف غزة، وفرضته المقاومة في لبنان على بلدات الجليل التي باتت حزاماً امنياً داخل شمال الكيان الصهيوني، بديلاً عن الحزام الذي كانت "إسرائيل" تفرضه وترغب بإعادة فرضه داخل الأراضي اللبنانية.

موقع "والا" الإسرائيلي يقول: إن هجمات "حزب الله اللبناني" رفعت منسوب التوتر بين سكان شمال "إسرائيل" وحكومة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، وتتحاشى الحكومة إصدار أوامر إخلاء رسمية لمستوطنات الشمال، لأسباب بينها الخشية من دفع تعويضات كبيرة، ليس فقط عن البيوت والشقق السكنية، بل عن المزارع والسهول الزراعية التي تأثر الاقتصاد "الإسرائيلي" بالواقع الجديد فيها، خصوصاً أنها باتت مهجورة إلا من بعض العمال الآسيويين، كالهنود وسواهم.

وفي تقرير بعنوان "الشمال تُرك لمصيره: يقتلوننا والحكومة لا تردّ بحزم"، نقلت مراسلة الموقع لشؤون الاقتصاد ليئات رون، عن إيتان دافيدي؛ رئيس مستوطنة مرغليوت قوله: نحن أهداف سهلة، يتركوننا هنا لدفع تعويضات أقل، ولا أخشى حزب الله إنما حكومتنا.

وضع النازحين من المستوطنين اليهود في الشمال على الحدود مع لبنان أصعب بكثير من نازحيّ مستوطنات غلاف غزة، لناحية العدد الذي يبلغ ثلاثة أضعاف - حوالي 200 ألف من الجليل مقابل 70 ألفاً من الغلاف - ويُحمِّل السكان الحكومة وقيادة الشمال في الجيش "الإسرائيلي" مسؤولية ما حدث، بسبب العجز عن "تطهير" الجهة اللبنانية المقابلة، وحسب رأي رئيس إحدى المستوطنات فإن الحكومة "الإسرائيلية" تريد أن يسود في الشمال نوع من الحياة العادية، لكنها في ذلك تُقامر بحياة المزارعين، دون أن تُحسِن حساب المخاطر التي تحصل على حساب المزارعين والعمال الأجانب.

وأضاف رئيس تلك المستوطنة، أن مسألة التعويضات في صلب قرار عدم إصدار أوامر إخلاء رسمية، فبمجرد وجود أمر شامل يمنع المزارعين مثلا من مغادرة منازلهم لتفقد حظائر الدجاج، سيحصلون تلقائيا على تعويض، وهو ما تخشاه الحكومة، لأن الأمور قد تنتهي بتعويضات ضخمة، وقد لا تنتهي إذا أصرّ المزارعون على العودة "الآمنة" إلى بيوتهم ومزارعهم في الجليل، والحكومة عاجزة عن ضمان أمنهم على المديين القريب والبعيد، سيما أن حزب الله سيدخل الجليل بكل سهولة عند وقوع الحرب الشاملة.

وتتحدث الصحافة "الإسرائيلية" عن مستقبل مجهول للنازحين "الإسرائيليين" من المناطق الحدودية، وأجلت الحكومة آلاف المستوطنين من مناطق غلاف غزة والمستوطنات الحدودية الشمالية إلى فنادق وأماكن إقامة مؤقتة، وهو ما رفع تكلفة معيشتهم، بدون وجود أفق لطرق إقناعهم بالعودة لبيوتهم.

في المقابل، ومع بدء المدنيين الفلسطينيين رحلة العودة القسرية القهرية من رفح، إلى حيث ينصبون خيامهم على ركام بيوتهم في المناطق التي نزحوا منها وصولاً إلى رفح، فإن الفوضى في ضبط حركتهم تُثقل كاهل حكومة نتانياهو، وتُعٍيد حرب المواجهة إلى نقطة الصفر، لأن بين المدنيين ربما يوجد مقاتلين، والأنفاق ما زال معظمها سليماً وصالحاً للعمل على امتداد القطاع، وتسعى الحكومة الصهيونية إلى دفع المغادرين من رفح إلى مناطق شاطئية على بحر غزة، حيث تنوي إدارة الرئيس الأميركي إقامة ما يُسمَّى "مرفأ بايدن" تحت ستار تقديم المساعدات للنازحين المدنيين من الفلسطينيين، الغذائية منها والطبية.

هنا يبرز تصريح للنائب الديمقراطي الأميركي عن كاليفورنيا؛ "رو خانا"، رداً على آخر خطاب للرئيس بايدن  عن "حالة الاتحاد" وقال "خانا": لا يمكن أن يكون لديك سياسة تقديم المساعدات، وإعطاء "إسرائيل" الأسلحة لقصف شاحنات الطعام في الوقت نفسه.

وأضاف: "هناك تناقض متأصل في ذلك، وأعتقد أن الإدارة بحاجة إلى التوفيق بين التعاطف الحقيقي والاهتمام الأخلاقي بحياة المدنيين الفلسطينيين، مع المساءلة الحقيقية لنتنياهو والحكومة اليمينية المتطرفة هناك"؛ في إشارة منه إلى ليلة "مجزرة الطحين".

حرب التهجير باتت متبادَلة، وإذا كانت مستوطنات غلاف غزة مرهونة إعادة المستوطنين إليها بعودة الفلسطينيين إلى مناطقهم الأساسية في القطاع، حتى ولو على أنقاض البيوت وبقايا البنى التحتية، فإن مستوطنات الشمال على الحدود مع لبنان لن تشهد أماناً، وضربات المقاومة تبقى أقسى وأشرس بغياب قرار وقف النار في غزة، وقد تدخل معادلة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، مقابل العودة الآمنة لسكان مستوطنات الجليل حداً أدنى من سقف التفاوض في حال نشوب الحرب الشاملة.

أما وأن نتانياهو صرًّح منذ ساعات أنه تم القضاء على ثلاثة أرباع القوى المسلحة لدى حماس، وأن الربع الأخير موجود في رفح التي لا مفرّ من عملية برية فيها للقضاء على حماس نهائياً - حسب زعمه-، فإن رفح كافية لأن تُشعل حرباً إقليمية، ليس لوجود حماس فيها، بل لأن مليوني فلسطيني ينزحون على أرضهم من غزة الى غزة، ولن تبتلعهم لا رمال صحراء سيناء ولا مياه بحر غزة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل