العرب يعودون إلى دمشق رغماً عن الأميركي وناقلة الغاز ــ أحمد زين الدين

الخميس 11 أيار , 2023 10:55 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

تستضيف العاصمة السعودية الرياض القمة العربية الــ32 في 19 الجاري بكامل عديدها، وسيكون نجمها الحضور السوري بعد 12 عاماً من الغياب الذي أرادته السعودية وقطر وبعض الدول الغربية في إطار الحرب الكونية التي شنت على سورية، بدعم أميركي وغربي وصهيوني كامل، وتمويل خليجي وخصوصاً من ناقلة الغاز الكبرى ناهيك عن الإعلام الذي سخرت له الإمكانيات الكبرى مادياً ولوجستياً.

دمشق وصمود محورها هزم الإرهاب التكفيري في سورية والعراق، وواصل الانتصار والصمود حتى باب المندب، المتمثل بالصمود اليمني الأسطوري، وبشكل عام صار مجمل الأمن القومي العربي في حالة اختلال، ولا يمكن تصحيحيه إلا بالعودة إلى سورية، والاعتراف بالذنب الذي ارتكب بحق "قلب العروبة النابض"، وهذا ما عبر عنه المتحدث باسم أمين عام الجامعة العربية جمال رشدي بقوله: " إن عودة سورية إلى الجامعة العربية هامة، ولها رمزية كبرى"، لافتاً إلى " الرأي العام العربي متفاعل مع الموضوع بصورة جيدة".

واعترف رشدي أن ما حدث في سورية من "الأزمة الكبيرة التي واجهتها أثر على الأمن القومي في الشرق العربي والمنطقة العربية...".

العرب إذن يعودون إلى سورية التي تعتبر الدولة العربية الأبرز من الدول الستة المؤسسة لجامعة الدول العربية، التي انبعثت من القمة الأولى التي عقدت في مصر في مدينة انشاص في 28 أيار عام 1946، والتي حضرها ستة دول هي:: لبنان، سورية، مصر، السعودية، إمارة شرقي الأردن (صار اسمها الأردن عام 1949)، اليمن، العراق، وبالتالي تعتبر هذه الدول هي المؤسسة لجامعة الدول العربية.

بالعودة إلى وقائع تلك القمة، سنعتمد على وثائق ما قاله الرئيس اللبناني الاستقلالي الأول الرئيس بشارة الخوري ، ليكون برسم بعض "الغيارى" على البلد، الذين يقيسون الأمور بموازين مختلفة، وخصوصاً بميزان الكاز السعودي، فيؤكد الرئيس بشارة الخوري مدى التعاون والتلاقي والتنسيق مع سورية فيقول في مذكراته "حقائق لبنانية" ص 243،: "كنت وشكري بك القوتلي، كأننا شخص واحد، تفكيرنا واحد، واتجاهنا واحد، والانعكاسات واحدة، سواء في المفاوضات، أم في الاجتماعات الخاصة، يستأنس واحدنا بالآخر".

وعرف الخوري والقوتلي، كيف يردان على المجتمعين وخصوصاً في مسألة المزاح، فيقول ص 244: "تخللت الاجتماعات النكات: فقد خاطب الملك عبدالله (الاردن)، الملك فاروق (مصر) بالتركية، فكان أن خاطبني شكري بك القوتلي باللغة الفرنسية فأجبته بها".

يضيف" "التفت الملك عبدالله الينا قائلاً: "يظهر أنهم جلوا ولم تجلُ لغتهم"، وهنا يرد الرئيس الخوري بسرعة: "وكذلك الذين سبقوهم في الجلاء يا صاحب الجلالة، فضحك الجميع".

ويقول: أن نص مقررات المؤتمر كان طويلاً "فاشتركنا وشكري بك في اقتضابه، وكان لي نصيب وافر في ادخال تعديلات صادفت قبولاً".

وهنا يقترح الملك فاروق مازحاً: "إنشاء مجلة لمؤتمر انشاص على أن يتولى الرئيس بشارة الخوري تحريرها".

لم يكن القادة العرب المجتمعين في حينه، يعرفون ما هي الألقاب التي يجب أن تتقدم اسماءهم لتكتب في النص، "فمال الملك فاروق إلى اذن جاره شكري القوتلي وهمس إليه ببعض الكلمات، همس بها شكري بك في اذني، فوافقت عليها بحني الرأس، ولم يلبث أن اقترح الرئيس السوري أن يعرف الملك فاروق بلقب: ملك مصر والسودان وصاحب النوبة ودارفور وكردفان، فوافق المجتمعون على ذلك"، وهكذا كان مع بقية الالقاب التي تسبق اسماء القادة التي حددها القوتلي والخوري .

ووصل المؤتمر أخيراً إلى التوقيع، فيقول الرئيس الاستقلالي الأول: "وأخيراً وصلت الوثيقة ودعيت للتوقيع عليها قبل زملائي بسبب ترتيب حروف الهجاء فامتنعت وقدمت القلم إلى الفاروق فأصر علي فتمنعت تكراراً، ووقع الملك عن مصر وعن المملكة السعودية (لأن الأمير سعوداً اشترك مستمعاً وكان الملك فاروق الوكيل الرسمي عن الملك عبد العزيز)، ووقعت انا عن لبنان، وقد شكر الملك فاروق، الله على هذا التوفيق ولاطفني لأنني سهرت معه إلى تلك الساعة المتأخرة ونزلنا معاً من الذهبية إلى قصر انشاص وقال لي: "لن انام قبل أن اوقظ جميع إخواننا ليوقعوا على هذه الوثيقة الخطيرة قبل طلوع الشمس"، فودعته ودخلت غرفتي ولم ألبث أن سمعت وقع قدميه في الاروقة وضحكته العالية وهو يطوف على ضيوفه جميعاً فيوقظهم الواحد بعد الآخر ليوقعوا على المقررات".

في تلك القمة قبل 77 عاماً، لم يكن كثير من الدول العربية قد نالت استقلالها، وبعضها لم يكن قد نشأ، كحال دول الخليج، التي كان بعضها يسمى "المشيخات المتصالحة" وبعضها "المحميات البريطانية"، وخصوصاً أن معظمها قام بعد عام 1970. ويلاحظ أن ولي العهد السعودي الملك لاحقاً، سعود بن عبد العزيز، وكان معه وزير الخارجية والملك لاحقاً، فيصل بن عبد العزيز لم يستطيعا التوقيع عن بلدهما، لأن الملك عبدالعزيز اوكل المهمة إلى ملك مصر.

ربما تكون هذه الوثيقة برسم الملوك والامراء والرؤساء العرب، بشأن وجود سورية في القمة العربية، فدمشق هي من يقرر وليس هؤلاء الأعراب.

على كل حد الشاعر:

"انها دمشق

شقيقة بغداد اللدودة،

ومصيدة بيروت،

حسد القاهرة،

وحلم عمان،

ضمير مكة،

غيرة قرطبة،

مقلة القدس،

مغناج المدن وعكاز تاريخ لخليفة هرم.

إنها دمشق، امرأة بسبعة مستحيلات، وخمسة أسماء وعشرة ألقاب،

مثوى ألف ولي، ومدرسة عشرين نبياً،

وفكرة خمسة عشر إلهاً خرافياً لحضارات شنقت نفسها على أبوابها".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل