خلطة أوراق إقليمية .. والملف اللبناني لا فوق الطاولة ولا تحتها! ـ أمين أبوراشد

الأربعاء 10 أيار , 2023 10:06 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

قامت القيامة في لبنان حول نوايا المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، توطين مليون ونصف نازح سوري في لبنان، ضمن خطة شاملة لتسوية أوضاعهم خارج سورية، وجاء رد هذه المفوضية أنها لا تسعى لذلك، بل تهدف الى ترتيب أوضاعهم الإنسانية لجهة حق الإقامة والعمل والتعليم بانتظار العودة الطوعية الآمنة، وأعلنت المفوضية صراحة، أن تقييم معايير العودة الآمنة تعود إلى النازحين أنفسهم.

وفي بيانها نفسه، أعلنت هذه المفوضية أنها تتعاون مع الأمن العام اللبناني بشأن تبادل "الداتا" حول أعدادهم، الى أن أوقفت الحكومة اللبنانية عمل لجنة المتابعة في هذا الشأن، بما فيها تسجيل الولادات لاستصدار وثائق الجنسية السورية لاحقاً للمواليد. وهنا يأتي دور القوى السياسية الحزبية اللبنانية التي استخدمت ملف النازحين ورقة ضغط لإسقاط الرئيس بشار الأسد، تحت طائلة تهديد أحدهم منذ سنوات بحلق شاربيه لو لم يسقط الأسد خلال أسابيع، فكانت النتيجة أن أطلق لحيته فيما الأسد "حلق" للجميع على مستوى المنطقة والعالم.

وبينما عادت سوريا الى جامعة الدول العربية منذ أيام، جاءت عودة النازحين السوريين من دول الجوار الى بلادهم شرطاً عربياً ضمن التسوية الشاملة للوضع السوري، ومع اعتراف عربي بأن الأزمة السورية تحتاج الى حوار داخلي سياسي سوري تحت سقف الدولة وأنه لا حل لها عسكرياً. وبصرف النظر عن التقارب السوري التركي، ونوايا تركيا إعادة النازحين السوريين لديها الى بلادهم، نتيجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ورَّط الرئيس أردوغان بلاده بها عبر التدخلات العدوانية في الملف السوري، ومهما كانت نتائج الانتخابات الرئاسية في تركيا بعد أيام، فإن القرار التركي هو إعادة النازحين، سواء فاز أردوغان أو كمال كليتشدار أوغلو، نتيجة تململ الشارع التركي من البطالة والتضخم وانهيار الليرة التركية.

لكن بانتظار إعادة النازحين في تركيا الى بلادهم، فإن تركيا دولة قادرة وقوية، وتُنظِّم تواجد كل نازح على أرضها عبر بطاقة "كيملك" التي تحدد الولاية المسموح للنازح التواجد فيها سواء للإقامة أو العمل، فيما الحكومة اللبنانية لا تعرف اعداد النازحين لديها ولا أماكن توزيعهم ولا مَن هو نازح أو مَن هو مقيم بصفة دائمة، ولا حتى ضبط حركة انتقالهم اليومية على المعابر، لا بل تطلب من مفوضية دولية تزويدها بلوائح المستفيدين من تقديمات الأمم، وهي تعرف أن ضبط الحدود من مسؤولية القوى الأمنية اللبنانية، وأن آلاف السوريين قد يكونون في سوريا ويحضرون لسحب "المعلوم الشهري" من "الأمم" بصفتهم نازحين، وأن آلافاً آخرين يعملون في لبنان ولا تنطبق عليهم صفة النازحين ويتقاضون اموالاً وتقديمات، وهذه الفوضى مسؤولة عنها الحكومة اللبنانية ومؤسساتها الضعيفة والمهترئة والفاسدة على المستويين الرسمي والشعبي، وما أكثر المُتاجرين والمستثمرين اللبنانيين في ملف النزوح السوري من سياسيين وتُجار وصولاً الى عصابات التهريب ومافيات قطاف المواسم في كل موسم.

وإذا كانت عودة سوريا الى الجامعة العربية انتصاراً لها قيادةً وشعباً، فإن التقارب السوري العربي، وخصوصاً السوري السعودي، هو نتاج الواقعية التي يُقارب بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لخلطة الأوراق الإقليمية، والتي حققت التطبيع الإيراني السعودي وأعطته الدور الريادي في إعادة سوريا الى الجامعة العربية، هذه الواقعية، لا يمتلك قدرة استيعابها الكثيرون من المراهنين الخائبين في لبنان، ومن القاصرين الذين ما زالوا تائهين في البحث عن قاشوش الباصرة في الصراع الداخلي لانتخاب الرئيس، أو أولئك المُتحلِّقين حول لعبة التبصير لمعرفة موقع الملف اللبناني في التقارب الإيراني السعودي.

أولاً: التقارب الإيراني السعودي استهلك سنتين من الحوارات العميقة برعاية عراقية وعُمانية قبل أن يتكلل بالنجاح برعاية صينية، وعودة العلاقات السورية السعودية هي نتاج هذا التقارب.

ثانياً: المملكة السعودية ليست مُلزمة بنثر أموالها دون معرفة مصيرها، ودون مقابل سياسي، مع مصر أو مع لبنان وسواهما، وهي في لبنان تحديداً لا تبحث عن ولاء أفراد، خصوصاً في الشارع السني بعد رحيل الرئيس سعد الحريري، ما دامت الشخصية السنية الجامعة للشارع السني غير موجودة باعتراف شخصيات مقربة من دار الفتوى، وبالتالي لا لزوم لاستمرار العداوة المجانية مع الشارع الشيعي في ظل التقارب السعودي الإيراني، وكل أشكال الشحن ضد محور المقاومة في لبنان لم تعُد تأشيرة دخول للأبواق التي تعزف في الفراغ إرضاءً للمملكة، سيما وأن لبنان قياساً لنهضة الدول الخليجية لم يعُد مستشفى الشرق ولا جامعة الشرق ولا مرفأ الشرق ولا حتى مصيفاً بالنظر الى الخدمات الحكومية المُزرية، ولم يعُد فيه سوى المواهب والأدمغة اللبنانية التي باتت في الخليج أو تنتظر السفر اليه عند أول فرصة.

ثالثاً: لا يحمل الملف اللبناني صفة العجلة في التقارب السعودي السوري، لأن ترتيب الوضع الداخلي السوري أمنياً واجتماعياً واقتصادياً وإعمارياً، هو الأولوية بالنسبة لسورية ، وللدول العربية التي اشترطت أيضاً إعادة النازحين من دول الجوار، وهذا ما حرَّك ملف النازحين في لبنان مؤخراً، بدليل أن وزير الداخلية اللبناني اوعز منذ أسبوع فقط الى المحافظين والبلديات ضرورة إحصاء النازحين، بالتوازي مع طلب الحكومة من المنظمة السامية لشؤون اللاجئين تزويدها بلوائح النازحين الذين يستفيدون من تقديمات "الأمم".

رابعاً: بيت القصيد الأساسي، أن سورية غير متحمسة لاستقبال اللبنانيين كأفراد، خصوصاً أولئك الذين أمعنوا في العداء، وتصدير بعضهم الإرهاب إليها منذ العام 2011، وسوريا في وضعها الحالي لا تطلب سوى التعامل من الندّ الى الندّ مع أية حكومة لبنانية موجودة، وكل الأصوات الحكومية والنيابية والحزبية التي تكابر في مسألة العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع سورية ستجد نفسها زاحفة على طريق الشام، لحلّ أزمة النازحين.

خامساً: على اللبنانيين قراءة مستجدات خلط الأوراق الإقليمية، تحديداً في تقارب دولتين قويتين مثل إيران والسعودية، الأولى خنقها الحصار الأميركي الظالم وغير المجدي، والثانية تتطلع الى تحقيق خطة 2030 وإلى تحويل دول الخليج الى أوروبا بديلة، وهذا ما يستوجب سلاماً إقليمياً من اليمن الى إيران مروراً بالعراق ووصولاً الى سوريا، وقد تبلغ لبنان عندما يبلغ أهل السلطة والسلطان فيه سن البلوغ، وهذا رأي كل الجهات الإقليمية والدولية التي ترمي الكرة دائماً في الملعب اللبناني وملف لبنان بسبب سمعة طبقته السياسية الفاسدة، لن يكون قريباً لا فوق الطاولة ولا تحتها ما دامت هذه الطبقة على حالها.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل