خيارات الغرب المرة .. حرب نووية او القبول بالتغيير العالمي ـــ يونس عودة

الثلاثاء 28 آذار , 2023 09:16 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

يجهد الغرب، بأساليب متسارعة, وأحياناً متهورة ترتد عليه، في سبيل الخروج من الأزمة الاقتصادية, وعلى رأسها المصرفية, مع محاولة منع انتشارها في الاقتصاد العالمي الذي صاغه الغرب منذ الحرب العالمية الثانية وتصويره أمام العالم بأنه الوحيد القادر على التكيف مع الازمات, وبالتالي هو الوحيد الضامن للتنمية المستدامة.

إلا أن التجربة الواقعية أثبتت فشل استمرارية الطريقة التي أنتجت اقتصاداً مريضاً على المستوى العالمي، مع انكشاف الجوهر الاستعماري المستمر للغرب، واتضاح اساليب النهب على ايدي القتلة الاقتصاديين - اي الشركات الغربية, وفي المقدمة الأميركية، المستندة الى القوة العسكرية والأمنية الغاشمة التي هي قاعدة الحكم والنظم العربية. لم يكن مفاجئا اقرار وزير الخارجية الاميركية أمام مجلس الشيوخ، حيث قال: إن الوضع القائم بعد الحرب العالمية لم يعد موجودا؛ واجتماعنا اليوم يأتي في لحظة فارقة. فقد ولّى عالم ما بعد الحرب الباردة وهناك منافسة شديدة جارية لتحديد ما سيأتي بعد ذلك. ولدى الولايات المتحدة رؤية إيجابية لذلك المستقبل. ألا وهو عالم حر ومفتوح وآمن ومزدهر".

من غير المستغرب ان تبقى السياسة التضليلية الاميركية على حالها , فهي تقر ان العالم ذاهب باتجاه الخلاص من هيمنتها القاتلة من جهة , وتتحدث عن "عالم حر ومفتوح وآمن ومزدهر" من جهة ثانية, وعليه ما هو العالم الذي تنقلت اميركا بحروبها في ارجائه , الم يكن تحت العنوان نفسه , اي حرية وامن وازدهار ؟.اما كيفية الوصول الى العالم الذي يتحدث عنه بلينكن , فلم يكن على لسانه , وانما على لسان وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في جلسة لمناقشة ميزانية البنتاغون قائلا :"لدي الآن 3 أولويات رئيسية في البنتاغون: الدفاع عن أمتنا، والاعتناء بقواتنا المتميزة، والنجاح من خلال العمل الجماعي. والصين تمثل التحدي المتسارع الذي نواجهه، ونحن نسعى جاهدين لمجاراة ذلك التحدي". لقد أرسلت زيارة الرئيس الصيني لروسيا إشارة مقلقة للغاية، فواشنطن تستثمر في وضع قوة أكثـــر مرونة في منطقة المحيطين الهندي والهادي مع زيادة نطاق التدريبات مع شركائها. وبذلك يقول أوستن: "ميزانيتنا مدفوعة بالاستراتيجية وبجدية منافستنا مع الصين. وستساعدنا هذه الميزانية على مواصلة تنفيذ استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2022 واستراتيجية الرئيس للأمن القومي".

لم يقل الوزراء الاميركيون , اين يتوقف الامن القومي الاميركي, لا بل لم يحددوا للعالم مفهوما واضحا للأمن القومي الاميركي الذي يدغدغون فيه غرائز الشعوب الاميركية والغربية , وماذا عن الغزوات خلف البحار بحجة الامن القومي المذكور, وايضا اين يكون الامن القومي للآخرين عندما تواصل واشنطن انشاء الاحلاف العسكرية العدوانية مثل الناتو ,والتحالف الأمني الثلاثي، الذي يجمع أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة ,والعمل على تشكيل حلف عسكري جديد يجمع اميركا بكندا واليابان وكوريا الجنوبية .وهذا الاخير بدأ الحديث عنه بعد القمة الروسية - الصينية الاستراتيجية على مستوى العلاقات بين البلدين من اجل قيام عالم جديد يستحق الجميع العيش في ظلاله , لكن من دون هيمنة دولة تعتبر نفسها , ومن جنون عظمتها بانها المرجعية في العالم ومن حقها ان تحكمه على جماجم الشعوب , وتدمير اقتصادها وثقافاتها . من المفهوم ان العقل الاستعماري , لا يقبل الشراكة المتوازنة , ولا يقبل التعايش المتساوي , وكل شيء يقوم على القوة والغزو , وعندما يصطدم بالواقع الرافض للهيمنة , يفقد اعصابه , وتصبح ضرباته عشوائية ,فيصيب نفسها كما يقال في المعارك ,"الاصابة بنيران صديقة ", وهذا تماما ما يحصل حاليا . لقد سعت الولايات المتحدة منذ العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا الى تطويق روسيا واخضاعها عبر العقوبات اللاأخلاقية من جهة , ودق اسافين بين روسيا والصين من جهة اخرى لمنع تقاربهما , فماذا كانت النتيجة؟ .

- تجاوزت روسيا العقوبات، بعد ان استوعبتها , وتعايشت معها , وتمكنت من ردها على من قام بها, بحيث صرخت الشركات الغربية, بان تتوقف ادارات الحكم في الغرب عن هذا الاسلوب المدمر لاقتصاديات الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة، وليس افلاس البنوك الاميركية الواحد تلو الاخر الا رأس جبل الجليد المؤدي الى الركود الحتمي, اذ ان أثناء الانهيار المتسارع للنظام المصرفي الأمريكي، وفي الأسبوع الأول بعد 8اذار ، طبع الاحتياطي الفدرالي 297 مليار دولار، وفي الأسبوع الثاني حتى 22 اذار، طبع 94 مليار دولار أخرى، أي أنه قام بطباعة 391 مليار دولار في أسبوعين. واذا استمرت الطباعة بنفس الوتيرة، سيؤدي ذلك إلى استئناف نمو التضخم مرة أخرى , لقد انتقلت العدوى في هذا المجال الى اكبر البنوك الالمانية, "دويتشه بنك" الذي تعرض لضغوط شديدة بعد ارتفاع تكلفة التأمين ضد مخاطر التخلف عن السداد للبنك الألماني. كما انخفضت أيضا أسهم "كومرتس بنك" و"كريدي سويس" و"سوسيتيه جنرال" و"يو بي إس" بأكثر من 5% لكل منها طبعا هذا غيض من فيض الازمة الاقتصادية - المالية التي بدأت تضرب في الغرب بقوة ودليل على فشل الوصفة الاقتصادية - المالية في عقر دارها , والاتي اعظم .

- فشلت الولايات المتحدة وملحقاتها في زرع الشقاق بين روسيا والصين اللتين اعلنتا أن العلاقات القائمة على شراكة شاملة وتعاون استراتيجي، تدخل عصرا جديدا. و"سنساهم في انتعاش الاقتصاد العالمي في فترة ما بعد الجائحة، وبناء القوة البناءة في تشكيل عالم متعدد الأقطاب وتحسين نظام الحوكمة العالمية، وتقديم مساهمة أكبر في الأمن الغذائي العالمي، وأمن الطاقة، والاستمرارية لسلاسل التوريد".

وأشار البيان الختامي إلى أن العلاقات بين روسيا والصين ليست تحالفا عسكريا ومواجهة، وليست موجهة ضد دول أخرى. وأوضح الرئيس الصيني :اتفقنا على أن العلاقات الصينية الروسية تجاوزت العلاقات الثنائية، وهي ذات أهمية حيوية للنظام العالمي الحديث ولمصير البشرية". الان, بات الغرب بقيادة الولايات المتحدة التي اقرت بزوال عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية , امام خيارات مرة فاما ان تلجأ الى تكوين حقبة جديدة لا مكان للهدوء فيها، اي اللجوء الى السلاح المدمر للكوكب , وتكون هي الطبق الاول للسلاح النووي , اذ لم يعد كلام مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وليام بيرنز، بان الولايات المتحدة " ستواجه الصين بالطريقة نفسها التي واجهت بها واشنطن الاتحاد السوفيتي". له اي معنى عملي , او ان تستجيب للواقع العالمي الجديد الذي يتشكل بسرعة وثبات .


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل