اللبنانيون والمقاومة والبطريرك ـ عدنان الساحلي

الجمعة 13 أيار , 2022 10:08 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

يصرّ البطريرك الماروني بشارة الراعي، على إعطاء مواقفه وخطاباته صفة شمول كل اللبنانيين. في تخط لمشاعر كل من يخالفه الرأي؛ وفي محاولة منه لفرض قناعاته وارتباطاته على غيره من اللبنانيين.

ولا يختلف الراعي هنا عن غيره من مراجع الطوائف اللبنانية، في هذه "المونة" غير الشرعية التي يمارسونها على مواطنيهم، خصوصاً أنها تطال قضايا معروف أن اللبنانيين مختلفون حولها. فاللبنانيون لم ينتخبوا الراعي ولا غيره من مرجعيات الطوائف للنطق باسمهم. وهذه المرجعيات، بالكاد يمثل كل منها جزءاَ من الطائفة التي يترأس هرميتها الدينية، إذ أن خلافات تستعر وتدخلات سافرة لسفارات تحدث، كلما جرى إنتخاب مرجعية دينية، بعد أن يتولى الله مهمة تخفيف عبئها عن هذه الطائفة أو تلك، نظراً لان الموت هو الحالة الواقعية الوحيدة التي يحدث بعدها تغيير لتلك المرجعيات.

واللبنانيون باتوا منذ عقود، لقمة سائغة لكل من يتنطح للحديث باسمهم، نتيجة واقع التشرزم الذي يعيشونه والذي تغذيه مصالح السياسيين واتباعهم من زعماء الطوائف؛ وكذلك نتيجة تدخلات سفراء وقناصل دول، تعودت على بث الفتن وتحريك الأزمات في الواقع اللبناني، منذ إعلان متصرفية جبل لبنان، على أيدي الدول الأوروبية الست؛ وصولاً إلى إعلان دولة لبنان الكبير على أيدي المستعمر الفرنسي، حيث لم يغب أشخاص قناصل وسفراء تلك الدول، عن كل شاردة وواردة من شؤونه. وما نراه حالياً من جولات وتدخلات سفيرة أميركا دوروثي شيا والسفير السعودي وليد البخاري، هو إمتداد لتلك الإستباحة وشاهد على تبعية الدولة اللبنانية لهم.

يركز البطريرك على ما يعتبره "لا شرعية سلاح المقاومة"، فهل كان شرعياً تجول جنود الإحتلال "الإسرائيلي" في بيروت وبعبدا وجونية، خلال إجتياحهم للبنان عام 1982. وهل كان دخولهم إلى القصر الجمهوري وبقائهم في لبنان، سيكون مؤقتاً لولا المقاومة وسلاحها؟ وهل قامت البطريركية بواجبها في إنشاء أو دعم مقاومة ضد الإحتلال "الإسرائيلي"، حتى ترفع الصوت وتقول: "لماذا على المقاومة أن تكون فقط لفريق واحد من اللبنانيين"؟ ومن الذي منعها من مقاتلة المحتل الصهيوني، الذي إجتاح لبنان وتولت المقاومة طرده ودحره. وهل علينا أن نذكّر من يتناسى، أن الجيش اللبناني في ذلك الوقت، كان يرافق الجيش "الإسرائيلي" في مداهمته البيوت وفي اعتقال الشباب الوطني والمقاوم، الذي يعتبر "إسرائيل" عدواً تجب مقاتلته. بل أن قيادة الجيش في ذلك الوقت، لم تقطع رواتب العميلين سعد حداد وانطوان لحد وجنودهما، الذين ترأسا على التوالي "جيشاً" عمل في خدمة المحتل "الإسرائيلي" وتحت إمرته. كما أن البطريركية لم تتوانَ عن إرسال مطارنة لتأبين عملاء قامت المقاومة بقتلهم، بعد أن إستفحل إجرامهم بحق اللبنانيين القاطنين تحت الإحتلال في تلك المرحلة.

ثم يستغرب البطريرك كيف قاتلت المقاومة "داعش" ومثيلاتها في لبنان وخارجه، فهل كان ينتظر من المقاومة أن يكون موقفها مثل موقف سمير جعجع، الذي دعا أهالي الأشرفية لإستقبال التكفيريين والترحيب بهم، باعتبارهم حلفاؤه، فكان أن استباحوا تلك المنطقة اللبنانية وتعدوا على سكانها وكنائسها. وهؤلاء "الدواعش" هم أنفسهم هاجموا الكنائس والبلدات المسيحية في سورية؛ وتمددوا إلى حدود البلدات المسيحية اللبنانية في البقاع والشمال، فماذا فعلت البطريركية للدفاع عن المسيحيين واللبنانيين عموماً، في وجه أولئك التكفيريين؟ وهل هناك من يشكك بما كانوا سيفعلونهم من إجرام، لولا تصدي المقاومة والجيش اللبناني لهم ودحرهم عن الحدود الشرقية.

يتجاهل البطريرك أن المقاومة ليست "ميليشيا" ولا علاقة لها بالحرب التي اشعلها حزب الكتائب عام 1975. وبالتالي لا يشملها قوله بأن "اتفاق الطائف نصّ على نزع سلاح الميليشيات". والأخطر في خطاب البطريرك الأخير، نزعة إستقوائه بالخارج لفرض رئيس جمهورية "ليس الأكثر تمثيلاً لطائفته"، في كسر للمعادلات الداخلية بما يعاكس توجه الأكثرية النيابية التي يختارها اللبنانيون. فالبطريرك يقول: "أطالب دائماً سفراء الدول بالسعي لعدم الوقوع في الفراغ أو التمديد"، في تماه منه مع الذين دعوا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته لبيروت "لأن يعود ويستعمر لبنان". فهل يريد البطريرك الراعي إعادة لبنان إلى زمن البطريرك إلياس الحويك، الذي طالب "بدولة لبنان الكبير تحت الوصاية الفرنسية بعد الحرب الأولى"، كما ينقل رشيد رضا صاحب مجلة "المنار" في ذلك الزمان. أو يكرر مواقف البطريرك أنطوان عريضة، الذي نقله أيضاً رشيد رضا، عن أن "لبنان وطن مسيحي". ويقول معاصروا ذلك الجيل أن البطريرك عريضة دعا إلى طرد المسلمين من لبنان، ليذهب السنة إلى مكة والشيعة إلى العراق، حسب قوله. وهو ما تطابق مع مواقف المطران اغناطيوس مبارك، في تأييده للحركة الصهيونية وتنسيقه معها، فسارت تظاهرات في بيروت ذلك الوقت، رفضاً لأن ينطق حلفاء الحركة الصهيونية، باسم اللبنانيين.

واللافت، أن سياسة البطريركية في معظم مراحلها، كانت تتنكر للعرب والعروبة، لكنها هذه الأيام، باتت تلهج بالعروبة، بعد أن تصهين الناطقون باسم عروبة الأنظمة المزيفة، التي طبعت علاقاتها مع العدو "الإسرائيلي" وفتحت أبواب عواصمها لوفود الصهاينة وقادتهم.

ويضيف البطريرك: "هناك أمور بديهية لا أطرحها مع رئيس الجمهورية لأنها بديهية، لا يمشي بلد بجيشين وسلطتين، لا دولة في العالم مثل لبنان لذلك وصلنا إلى ما نحن فيه". فهل يصارح البطريرك اللبنانيين لماذا لا يتم تسليح الجيش اللبناني باسلحة تمكنه من ردع الإعتداءات "الإسرائيلية"، فيتم حينها الإستغناء عن دور المقاومة وسلاحها.

ويتابع: إن "اروع دستور في العالم هو دستورنا، مشكلتنا هي نتيجة عدم تطبيق إتفاق الطائف نصاً وروحاً"، فهل يوضح البطريرك للبنانيين من الذي يمنع إستكمال تطبيق الطائف. ولماذا يرفض تطبيق بندي إنشاء مجلس للشيوخ والغاء الطائفية السياسية.

ويواصل الراعي سعيه للإستقواء بالخارج على اللبنانيين، مثلما فعل أسلافه خلال الإنتداب الفرنسي، فيقول: "حين نتحدث عن ضرورة عقد مؤتمر دولي بنقاط محددة تخدم كل اللبنانيين، فهذا يعني أنه لخير كل من يعتبر نفسه مواطناً لبنانياً". يعني أن شرط الهوية اللبنانية بالنسبة للراعي، هو القبول بالرعاية الدولية والوصاية على لبنان واللبنانيين، لإبتداع صيغة يفرض فيها البطريرك مشيئته عليهم، خصوصاً في دعوته "للحياد" التي جوهرها عدم اعتبار "إسرائيل" عدواً. ونفي خطرها على لبنان. فهل تقبل "إسرائيل" مثل هذا الحياد وتتخلى عن أطماعها في أرض لبنان ومياهه وفي ثروته النفطية. وتتوقف عن الضغط لتوطين الفلسطينيين. وماذا سيفعل البطريرك عندما تتمسك "إسرائيل" بهذه الأطماع؟

ثم يقول: "لا إمتياز لأي دولة في لبنان حسب الميثاق الوطني، فلماذا تمييز إيران وسورية؟ ولأي هدف؟". فهل سفير إيران أو سفير سورية هما اللذان يتدخلان في الشان اللبناني، أم أن سفيرة أميركا وسفير السعودية هما اللذان يتدخلان في كل كبيرة وصغيرة ويفرضان على الحكومة مشيئتهما. وهل دوروثي شيا التي تتواجد دائما في اليرزة، هي سفيرة إيران. وهل يتواجد الجيش الإيراني أو السوري في ثكنات الجيش اللبناني وفي مطاري حامات ورياق وغيرهما، أم هو الجيش الأميركي الذي يحظى بتسهيلات عسكرية تكسر كل إدعاءات الحياد والسيادة.

من حق البطريرك الراعي أن يقول ما يشاء، باسمه وباسم من يمثل، لكن ليس من حقه النطق باسم لبنان ولا باسم اللبنانيين، تطبيقاً لقول سمير جعجع: "نحن مَن أنشأنا لبنان ولن نكون غرباء فيه"، فالآخرون أيضاً ليسوا غرباء ولا طارئين ولم يفوضوا البطريرك ولا جعجع النطق باسمهم.

 


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل