عنصريو المكرمات ـ عدنان الساحلي

الجمعة 21 أيار , 2021 11:19 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

أكدت التطورات الأخيرة على الصعيدين الأقليمي واللبناني، صحة المقولة بأن الهزيمة تكشف نقاط الضعف عند المهزوم، مثلما تخفيها عند المنتصر. وها هي هزائم محور الشرّ الأميركي- "الإسرائيلي" - السعودي تكشف مخزون تفكير جماعتهم في لبنان، الذين سرعان ما تسقط شعاراتهم المزيفة، كورقة التوت، عندما تحشرهم الأحداث وتحرجهم الإستحقاقات.
فما شهده لبنان خلال الأيام الأخيرة، مترافقاً مع حدثين شكلا هزيمة للمحور المعادي وأتباعه، كشف هشاشة شعارات بقايا قوى 14 آذار، خصوصاً تلك التي ربطت قرارها ومصيرها بمشاريع رونالد ترامب الساقطة؛ وبأمير السعودية وحاكمها الفعلي "محمد بن سلمان آل منشار".
ومثلما تأثرت المنطقة كلها بالحدث الفلسطيني العظيم، الذي صمد وواجه وكاسر الإجرام الصهيوني بكل سلاحه الأميركي وجنونه الدموي؛ وسجل نقاط إنتصار عليه، مما سيجعل معركة "سيف القدس" إنعطافة تاريخية فلسطينية في الصراع ضد الغزوة الصهيونية، فإن لبنان بالطبع تأثر وسيتأثر بتداعيات ما جرى، خصوصا أن لبنان منقسم فعلياً بين من هو مع محور المقاومة المنتصر؛ وبين من هو تابع للمحور الأميركي – "الإسرائيلي" – السعودي المهزوم.
ولقد كشف صمود المقاومين في فلسطين، الذي تحول إلى نصر مبين، أن مدعي حمل مشروع الدخول إلى الدولة في لبنان، لا هم لهم ولا غاية غير الدخول في خيمة السفير السعودي في لبنان وليد البخاري والتبخير له. وأن المتقاطرين على نيل رضاه ورضى أميره، ليسوا سوى مرتزقة ومتملقين، تعودوا على التعيش على المكرمات وعلى تسولها في المناسبات، لأن الحدث الذي تذرعوا به لا يبرر كل هذا الزحف ولعق الأقدام، الذي شاهدناه من وجوه تعودت على الخضوع والذل وطلب العون من كل مستقو ومتجبر.
وما حدث على هامش حديث وزير الخارجية السابق شربل وهبة المتلفز، يكشف إفتعال ردود الفعل وتضخيمها. ولو استثنينا كلمة البدو التي وصف فيها وهبة السعوديين؛ وهي ليست شتيمة وكلنا معشر العرب والعروبة، إما كنّا في البداوة، أو ما نزال. والطريف أن معظم مدعي الغيرة على البداوة، لطالما تنكروا للعروبة عندما كانت تعني مواجهة الغرب ومشاريعه الإستعمارية وتبنيه للغزوة الصهيونية.  وغير ذلك لم يقل وهبة منكراً، بل أشار إلى وقائع دامغة عن تورط حكام السعودية بدعم تنظيم "داعش"، الذي إعترفت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، بأنه صناعة أميركية. لكنها فرصة إغتنمها مرتزقة "مكرمات طويل العمر" لتبييض الوجه ولإثبات الوجود، بعدما غطى الحدث الفلسطيني على كل خطاباتهم، بل أنه أخرسهم ولم يخجلوا من الصمت على الجرائم "الإسرائيلية" بحق المدنيين الفلسطينيين. ولم تطاوعهم أنفسهم توجيه التحية للمنتفضين؛ ولا الإعتراف بالصمود البطولي للمقاومين ولشعب فلسطين في كل أنحاء وطنه. بل أن أحد أطراف أذيال السعودية في لبنان، لم يتورع عن توجيه زعرانه لإعتراض مواطنين لبنانيين، كانوا متوجهين للمشاركة بوقفات تضامن مع الفلسطينيين على الحدود اللبنانية، فشتموهم وضربوهم وداسوا علم فلسطين، في تصرف عنصري يماثل الخيانة. ولم ينقص هؤلاء، مثلما يشهد تاريخهم، إلاّ رفع العلم الصهيوني والتباهي به.
أما الحدث الثاني، فهو الإنتخابات الرئاسية السورية، حيث شهدنا أغرب تصريح لأحد مدعي السيادة، يهدد فيه السوريين النازحين في لبنان، بعدم المشاركة والإقتراع فيها، تحت طائلة طردهم من لبنان. فهل يريد هذا المدعي توطين المعارضة السورية في لبنان ودمجها في المجتمع اللبناني، أم كان عليه لو كان سليم النية، الترحيب بفتح أبواب العودة إلى الوطن أمام السوريين، الذين أجبرتهم المؤامرة ضد وطنهم على النزوح إلى لبنان؟ بيد أن مواقف هؤلاء  تفضحهم، فالإنتخابات الرئاسية السورية تجري وفق الشرط السيادي الوطني السوري، بعد سقوط كل الإشتراطات الخارجية، بما خيب ظنون وأطماع كل من تآمر على سورية وتدخل وساعد على تخريبها. ولذلك جن جنون هؤلاء عندما شاهدوا السوريين في لبنان يرفعون علم بلدهم وصور قائدهم، فامعنوا بسياراتهم والحافلات التي تنقلهم تكسيراً. في تصرف عنصري آخر. ولم يسلم الركاب من عدوانية تلك الشرازم الميليشياوية التي إعتادت تسكير الطرق والخطف على الهوية وقتل الأبرياء والإعتداء على الضعفاء.  
في السياق، تحفظ الذاكرة اللبنانية أن الأميركيين ومن خلفهم أتباعهم في المملكة السعودية والمنطقة، أحرقوا لبنان عام 1975، للتخلص من المقاومة الفلسطينية؛ وللتغطية بدخان نار الحرب اللبنانية، على خيانة أنور السادات وزيارته كيان العدو وعقده اتفاقية كمب ديفيد. وتبدو تصرفات السعودية وجماعتها في لبنان على الخط ذاته، فهؤلاء يرون بعد أفول إدارة دونالد ترامب، الذي دفعوا له خمسمائة مليار دولار ضريبة حماية، ها هم يرون إنهيار "الحلم الصهيوني" أمام ضربات محور المقاومة، فيسارعون إلى دفع الأمور بما يهدد بحرب أهلية في لبنان، هم أعجز عن الفوز فيها، لكنهم لا يتورعون عن إحراق البلد، ثمن ما يدفع لهم وللحفاظ على دورهم وموقعهم.
هؤلاء أسقط في أيديهم، بعد فشل حرب الإخضاع المالي، التي شنت من الخارج والداخل على لبنان واللبنانيين، لإجبارهم على الإلتحاق بطابور الراكعين الزاحفين أمام الكيان الصهيوني والتطبيع معه. وخيب الشعب الفلسطيني رهاناتهم المتصهينة. وأفشلت سورية مؤامراتهم لإسقاطها وهي الحصن القوي في وجه صهينة و"أسرلة" المنطقة. فهل نحن أمام جنون سعودي يستخدم "تيار المستقبل" و"قوات" سمير جعجع لإشعال لبنان، تهرباً من الإعتراف بالحقائق التي خطتها تضحيات المقاومين الصامدين على مستوى المنطقة كلها، أم بقي لدى سياديي التبعية المذكورين شيء من الوطنية، يتمردون فيه على أوامر مموليهم ومشغليهم، فيساهمون بحماية وطنهم وصون ثرواته التي لم يستخرجها بعد؛ والتي تغنيه عن الحاجة لمن يمارس الوصاية والإستعلاء عليه وعن إسترضائه عند كل منعطف.  


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل