كيان يحتضر ـ عدنان الساحلي

الجمعة 14 أيار , 2021 10:34 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

لم يكن مجرد توقع أن يوصف كيان الغزاة الصهاينة الذين يحتلون فلسطين العربية، بأنه أوهن من بيت العنكبوت. كان توصيفاً واقعياً لحال مشروع لا أفق له، ما لم يقض على أمة ويدمر مجتمعات ودولاً بكاملها. وهو أمر أثبتت القرون والعصور السالفة أن هذه المنطقة وسكانها عصاة عليه وأصلب من أن يلينوا أمامه. 
وتؤكد الجولة الجديدة من المواجهات الواعدة بين جموع الشعب الفلسطيني الصابر تحت نير الإحتلال، وبين قطعان المستوطنين الصهاينة وجيشهم وشرطتهم، أن كل الرهانات على الخلاص مما إصطلح على تسميته "قضية فلسطينية"، هو أمر فوق طاقة التحالف الدولي وبعض أذياله من الحكام العربي، الذي تواطأ مع الحركة الصهيونية، لإنشاء كيان دخيل فوق أرض فلسطين وعلى حساب شعبها.
ولقد أثبت صراع قرن كامل، أن توفر الجهة الداعمة للشعب الفلسطيني، كفيل بإبقاء شعلة قضيته متقدة ويده على زناد سلاحه، يقاتل بما ملكت أيمانه في إنتظار اللحظة المناسبة لإحتواء هجمة الغزاة ووأدها والتخلص من شرورها. هكذا حصل طوال التاريخ. وهو كان مآل الغزوات الصليبية التي إحتلت بلادنا لحوال مائتي سنة، إنهزم بعدها أمراء أوروبا المتاجرين بالصليب، لكنهم أرسلوا بدلآ عنهم المتاجرين بالتورات، ليحتلوا قلب المنطقة الفاصل بين مشرقها ومغربها، لعلهم يقتلون بذلك حيويتها ويسقطون روح المواجهة فيها. وها هي صواريخ غزة وصلابة رجال ونساء وأطفال فلسطين المحتلة، تسقط رهاناتهم وتزيل أوهامهم حول إمكانية بقاء واستمرار المشروع الصهيوني في إحتلال فلسطين.
فما نشهده هذه الأيام غيّر معادلات بنيت عليها مشاريع للسيطرة على كامل المنطقة؛ وتسليم مفاتيحها للصهاينة، بما يمثلون من رأس حربة للنفوذ الغربي الإستعماري، الذي لم يتراجع عن جشعه وسعيه للسيطرة على مقدرات الشعوب وسرقة خيراتها. وكانت ذروة إنجازات المشروع الصهيوني دفعه الأنظمة العربية المتواطئة معه، لكشف اقنعتها وإشهار تحالفها معه وفي مقدمتها النظام السعودي، الذي حارب ويحارب كل جهد عربي وإسلامي يتصدى للغزوة الصهيونية، منذ أن وقع عبد العزيز آل سعود تلك الوثيقة التي يوافق فيها على إعطاء فلسطين "لليهود المساكين" لتكون وطناً لهم.
ما تشهده فلسطين هذه الأيام، بغزتها المحررة وضفتها المحتلة وأرض 1948 "المأسرلة" بالإغتصاب، يضرب كل ما بني على باطل الصهيونية وحلفائها من الأنظمة العربية، هذه الأخيرة التي أوكلها الغرب حراسة الحدود التي صنعها والنفط الذي يستغله؛ ولا يترك لها ولشعوبها منه غير الفتات. 
ولنقل بوضوح، إن جبروت التحالف الأميركي-الصهيوني- السعودي تصور أنه حاصر الشعب الفلسطيني؛ وعطل قدراته على المواجهة وكسر الأمر الواقع المفروض عليه. ولإستكمال حلقة الحصار، جرى شن حرب شعواء لشيطنة الداعم الأساسي لفلسطين في هذه الحقبة من تاريخ نضالها، بعد أن جرى إغتيال دور مصر ووزنها العربي والإقليمي في "كمب ديفيد". وهكذا صورت إيران الثورة الإسلامية بأنها "مجوسية" و"فارسية". ووصف "حزب الله" بأنه مجرد جماعة أرفاض خارجين على الملة وتنظيماً "إرهابياً". فيما اليهودي الصهيوني هو الحليف والصديق لخادم الحرمين الشريفين وزبانيته ومن يدور في فلكه من أنظمة وحكّام. وشنت حرب لتدمير سورية ولتغيير خياراتها السياسية، بتمويل وتحريض خليجي، بعد أن فشل عدوان تموز عام 2006 في التخلص من المقاومة الإسلامية في لبنان. وظن المتصهينون من حكام العرب أن هذا العهر الذي مارسوه بحق أمتهم ودينهم، كفيل ببناء جدار يحاصرون فيه الشعب الفلسطيني؛ فيمنعون عنه كل دعم ويجبرونه على الركون صاغراً مستسلماً، لمشاريع تهويد القدس وكل فلسطين وطرد ما تبقى فيها من شعبها. وبدأوا في إشهار علاقاتهم السرية مع الصهاينة. لكن ها هي القدس تنتفض وتحمي مسجدها الأقصى؛ وتسقط القرار الأميركي بجعلها عاصمة للكيان اللقيط. وها هي غزة تقاتل بالسلاح والدعم الذي ياتيها من إيران وحزب الله وسورية، التي أسقطت مشروع إستهدافها. وها هي نيران فلسطين تجبر ملايين الصهاينة وقادتهم على الإختباء في الملاجىء، وتشعل حرائق عز ومجد في أنحاء المغتصبات الصهيونية. وتطلق قمقم المارد الفلسطيني مجدداً، ليواجه محتله في حيفا ويافا واللد وعكا وصفد وطبريا وكفرقاسم وأم الفحم وغيرها. وها هي صواريخ الفقراء تتحدى أحدث ما صنعه الأغنياء من أسلحة وطائرات. وما نشهده من بطولات تواجه العدو في جبهة واحدة، هي غزة والداخل الفلسطيني، فماذا لو فتح محور المقاومة بكل ما يملكه في جبهاته من لبنان وسورية والعراق واليمن ومعهم القوة الإيرانية العظمى. 
وبات من حق كل عربي وفلسطيني، أن يسأل هذه الأيام: أين أبواق 14 آذار في لبنان مما يحدث في فلسطين. وأين جماعة التنسيق الأمني الخياني في فلسطين. وأين مفتعلي العداء مع أيران ومصنفي حزب الله "إرهابياً" على الصعيد العربي. وأين المعارضات السورية في إرتزاقها لتخريب وطنها والحاقه بمحاور العدوان. لقد أخرسهم الصمود البطولي الفلسطيني. وأسقط في يدهم أن لا فضل لهم في إنتصارات فلسطين. لكن الفضل هو للدعم الإيراني اللامحدود ومعه سورية وحزب الله والمقاومة العراقية والشعب اليمني، الذي أذل بصموده وتضحياته آل سعود ومن حالفهم في عدوانهم على اليمن.
هي ثورة فلسطينية متجددة وأكبر بكثير من إنتفاضة. وهي أيام نصر وعز تسجلها فلسطين، فيما تسود وجوه المتصهينين من أزيال أميركا من الحكام العرب، لآنهم ربطوا مصيرهم بمصير "إسرائيل" المحتضرة؛ وشعوبهم كفيلة بمحاسبتهم على ما أقترفت أياديهم.     


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل