من الريف المغربي إلى الصحراء.. معضلة الفقر والإقتصاد والتدخلات الأميركية - فادي عيد وهيب

الخميس 14 تشرين الثاني , 2019 10:05 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

 

لم تمر المملكة المغربية في مرحلة ما بعد الإستقلال بفترة حرجة كالتي تعيشها الأن، فإلى جانب الأزمات المتعددة في الداخل من أرتفاع مستوى البطالة والفقر والعنوسة وغيرها، يبقى الصداع المزمن للقصر الملكي تجاه أزمة الصحراء في تصاعد، بالتزامن مع الأزمة التى تفجرت في الريف منذ عامين، كي تكون المغرب بين كماشة تشتد ضيقا كل يوم يمرعليها، حتى بات القصر الملكي مشتت ذهنيا فى كيفية التعامل مع ملفين باتا محل تهديد مباشر للأمن القومي المغربي وللعرش الملكي، حتى وإن ظن البعض أن الأمور فى الريف أنتهت بسجن قادة حراكه، فالغضب لم يهدأ هناك.

بخصوص المعضلة الاولى الممثلة في الصحراء فقد بدأ الرئيس الصحراوي إبراهيم غالي في إتباع تكتيك جديد في التعامل مع الرباط بعد أعوام من الإشتباك المسلح، وباتت المناورات السياسية حاضرة بقوة ، بعد أن بعث إبراهيم غالي برسالة طويلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لافتا فيها إنتباهه إلى تصرفات المملكة المغربية التى وصفها بأنها تهدد بشكل خطير السلام والإستقرار في المنطقة بأكملها.

وفي هذه الرسالة حذرغالي الأمم المتحدة محملا إياها مسؤولية ما قد يحدث مستقبلا، عندما قال في مقدمة رسالته "نحن رئيس الجمهورية العربية الصحراوية لن نسمح، كما يجب على الأمم المتحدة أيضا أن لا تسمح بأن تكون عملية الأمم المتحدة للسلام في الصحراء الغربية رهينة للشروط المسبقة ولإملاءات المغرب الذي يتمثل هدفه الوحيد في تحريف مسار عملية تصفية الإستعمار في الإقليم، وترسيخ إحتلاله المفروض عسكرياً على أجزاء من ترابنا الوطني، فقد مر أربعة أشهر منذ إستقالة المبعوث الشخصي السابق للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية هورست كولر، ومنذ ذلك الحين لم يتم فعل شئ للنهوض بعملية السلام التي تشرف عليها الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، وقد أدى التأخير في تعيين مبعوث شخصي جديد إلى شل العملية السياسية، ونتيجة لذلك فإننا الآن أمام خطر العودة إلى مربع إبقاء الأمور على حالها في الصحراء الغربية، فقد توقف التقدم على المسار السياسي على الرغم من التنازلات الكبيرة والتضحيات التي قدمتها جبهة البوليساريو صراحةً لمساعد المبعوث الشخصي للأمم المتحدة من أجل النجاح في مهمته ولتهيئة المناخ الملائم للشروع في مفاوضات بناءة، وعلى الرغم من محاولات بعض الأطراف للانحراف عن المعايير التي وضعتها الأمم المتحدة بخصوص قضية الصحراء الغربية، وبالرغم من تعنت المغرب واستفزازه، فقد مارسنا قدراً كبيراً من ضبط النفس وانخرطنا بشكل إيجابي في العملية السياسية، وعلى النقيض من ذلك، فقد كثف المغرب القوة المحتلة للصحراء الغربية أعماله المزعزعة للاستقرار في الإقليم، والتي تهدد بشكل خطير بتقويض عملية الأمم المتحدة للسلام وتعريض السلام والاستقرار في المنطقة بأكملها للخطر"

وبعد القاء العاهل المغربي لخطابه بمناسبة الذكرى الـ44 للمسيرة الخضراء نهاية الاسبوع الماضي، وهو الخطاب الذى حمل التشكيك في الحكومة الصحراوية، والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، ردت جبهة البوليساريو بتصريحات نارية مؤكدة على تمسكها بمقترح الحكم الذاتي كحل وحيد لقضية الصحراء.

ومن التصعيد الجديد لجبهة البوليساريو ورئيس الجمهورية الصحراوية ابراهيم غالي الى البركان الذى أنفجر منذ عامين ولم يخمد حتى الأن بالريف الشمالي، الذى هتف سكانه،

مطالبين بالإنفصال عن الدولة المغربية، ننتقل من معضلة الصحراء جنوبا الى أزمة الريف شمالا.

فحتى بعد سجن قائد الحراك الشعبي في منطقة الريف ناصر الزفزافي ورفاقه بسجن رأس الما بمدينة فاس، الا أن شبح أبن مدينة الحسيمة المعتقل منذ أيار/ مايو2017 مازال يطارد الحكومة والنظام المغربي ككل، بعد أن سرب زفزافي تسجيلا صوتيا مدته ساعة بنهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، على أثره قررت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج يوم الجمعة الماضي وإعفاء مدير سجن "رأس الما" من مهامه.

كان الوضع الإقتصادي السيئ وإهمال الحكومة وعدم تنفيذ وعودها بتنمية منطقة الريف هو السبب الرئيسي فى إنفجار الوضع هناك، فالشرارة الأولى لغضب أهالي الريف جاءت من مدينة الحسيمة بعد مقتل بائع السمك محسن فكري طحنا في شاحنة القمامة، بعد أن قام عناصر الشرطة برمي أسماكه فى الشاحنة، مما دفع الشاب بإلقاء نفسه في الشاحنة أحتجاجا على مصادرة مصدر رزقه الوحيد.

والشرارة الثانية جاءت على يد شاب أخر بنفس المدينة يدعي ناصر الزفزافي، فبعد أن واجه معاناة شديدة خلال العمل لسنوات فى أعمال الفلاحة وقطاع الحراسة الخاصة، قام بفتح محل لإصلاح الهواتف المحمولة، فأذا به يتلقى إشعارا بضريبة تقدر بستة ملايين سنتيم مغربية أي مايقرب من ستة ألاف دولار فأضطر الى إغلاق المحل، كي يصبح ذلك الشاب فيما بعد قائد غضب الريف وهو المسجون حاليا.

بات ناصر الزفزافي الملقب في منطقة الريف بـ "مغار ناريف" (بالامازيغية) وتعني قائد الريف، أبن قبيلة آيت ورياغل التي تُعتبر إحدى أهم قبائل الريف والتى ينتسب لها المجاهد الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهو من شغل فى عهده أفراد من عائلة الزفزافي مناصب هامة خلال إنطلاق الثورة ضد الإحتلالين الإسباني والفرنسي ما بين 1921 و1926م.

كل ما سبق يعكس لنا بوضوح درجة فشل الحكومة المغربية في تعاملها مع كل الأزمات والملفات، فمن رئيس الوزراء الأسبق الفاشل عبد الإله بن كيران الى الحالى الأكثر فشلا سعد الدين عثماني تعيش حكومة حزب "العدالة والتنمية" المغربي حالة من اللامبالاة، ولكن هذا قد لا يهم القصر الملكي، فالهم الأول لدى الملك محمد السادس هو أن يملأ فم جماعة "الإخوان المسلمون" وحزبهم "حزب العدالة والتنمية"، وهي السياسة التى يتبعها العاهل المغربي منذ سنوات، الى أن صنع لهم منافسا بديلا من نفس العباءة الدينية ، ولكن مع الإختلاف فى الشكل والمظهر ألا وهو حزب "الأصالة والمعاصرة"،  وهي السياسة التى تتبعها العديد من الدول الملكية بالمنطقة والتى تهدف بتشكيل حكومة ليس لتولي زمام الأمور فعليا والعمل على النهوض بأوضاع البلاد، ولكن لتحمل ودفع فاتورة أي فشل من القصر الملكي نفسه، وهو ما تجلى خلال إضراب المعلمين فى الأردن عندما توقفت الدراسة لمدة شهر كامل مع بدء الموسم الدراسي فى المملكة الهاشمية وغيرها من المواقف، وهو ما يفعله القصر الملكي بالرباط منذ عقود، ولنا في كيفية تعامل القصر الملكي مع كل الإحتجاجات الداخلية الأخيرة أو أزمة البطالة خير دليل.

خلاصة القول لا نتمنى للمغرب الشقيق وشعبه أي ربيع كالذي مر على سوريا وليبيا ومصر وتونس واليمن، فى ظل إزدياد تحركات عناصر تنظيم "داعش" بالمغرب العربي من مالي إلى صحراء ليبيا مرورا بجنوب المغرب والجزائر، إلى جانب التوتر بين الرباط والصحراء.

التوتر كان قد أخذ منحنى جديدا بعد ظهور "الصقر" جون بولتون فى المشهد بعد تعيينه كمستشار للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالذي لا يعرفه الكثيرون أن بولتون كان الوحيد من بين المحافظين المنحاز جدا لجبهة البوليساريو ضد المغرب، كما لو كان بولتون جزائريا وليس أميركيا، فالمغرب يعيش الأن على صفيح ساخن كحال أغلب دول المنطقة حتى وأن كان ذلك غير ظاهر للعيان، فالأزمات الداخلية والتى سببها الأول الإقتصاد المتردي أصبحت بالجملة، والتحديات الخارجية باتت كبيرة وتنتظر ما هو جديد مع معرفة شخص الرئيس القادم للجار اللدود للمغرب الا وهي الجزائر.


مقالات وأخبار مرتبطة
الانتخابات الجرائرية
بــالـمـنـــــامــــــة.. أشباه رجال دين  بـاعــوا فلسطـــين
انتفاضة 1987.. عندما تكلم الحجر
كيف تعرف أهل الحق فــي زمــن الفـتـن؟
من ذاكرة التاريخ

عاجل