حرب الإخضاع المالي ـ عدنان الساحلي

الجمعة 20 أيلول , 2019 03:21 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

خاب ظن من إعتقد بوجود حدود لحملة إفقار لبنان وتطويعه، أو دفع اللبنانيين للهجرة بحثاً عن فرص عمل ولقمة عيش ، بعد تحويلهم إلى متسولين عند هذا الزعيم أو ذاك، من مليارديرية المال الحرام الذي إقتنصوه من خزينة الشعب اللبناني. فهذه الحملة، لم تكن خلال العقود الثلاثة الماضية، سوى تهيئة لأرضية الحرب المالية الأميركية على اللبنانيين، التي باتت واضحة أمام أعين من يتابع التطورات المتسارعة والمتداخلة ما بين الإقتصادي والمالي والأمني والسياسي.

إرتكزت تلك الحملة، بداية، على تحويل كل نواحي الإقتصاد اللبناني إلى النظام الريعي، فهمشت الصناعة والزراعة والتجارة. وأطلقت العنان لسياسة الإستدانة بحجة إعمار ما خربته الحرب، فكان أن ترحم اللبنانيون على الخدمات التي كانت متوفرة لهم خلال سنوات الحرب، من كهرباء وماء وهاتف وقدرة شرائية عالية لليرتهم. كما أطلقت العنان للمصارف ولأصحاب الأموال لنهب خيرات الشعب اللبناني ومراكمة الثروات المجمعة بعرق وتعب اللبنانيين، حيث تضاعفت رساميل أصحاب المصارف عشرات، لا بل مئات المرات.

كان أصحاب المصارف وشركائهم أبرز المستفيدين من هذه السياسة، إذ أن مجموع رساميل أصحاب المصارف عام 1992 كان اقل من ثلاثمائة مليون دولار. في حين باتت اليوم تفوق السبعة وعشرين مليار دولار، بعد أن وزعوا أرباحا طوال السنوات الماضية.

وحسب التقارير المتداولة فان المصارف اللبنانية دفعت الى مودعيها بين عامي 2009 و2018 فوائد بقيمة 63 مليار دولار، ذهبت معظمها إلى كبار المودعين. وراكمت المصارف أرباحاً مصرحاً عنها في تلك الفترة، قبل الضريبة ومن دون الأرباح غير المصرح عنها، بقيمة 21،2 مليار دولار.

وفي نظرة خاطفة إلى "فلسفة" تلك المرحلة نجد أنها ما تزال تفرض مفرداتها على حياة اللبنانيين ومستقبلهم. ففي تسعينيات القرن الماضي قال رأس الحكومة بوضوح أن لا "إستثمار" ممكناً في لبنان، في ظل الأخذ بنظام الحد الأدنى للأجور وبوجود الضمان الإجتماعي، الذي يشكل برايه عبئاً على المستثمر. وهناك من طالب حينها، بتخفيض عديد الجيش الذي كان أقل مما هو عليه حالياً. وهذا الأمر ترجم حرباً على الرواتب وتجميداً لمواكبتها لسلم التضخم الذي شهدته البلاد. وكذلك، ترجم مداً لأيدي الحكومة على أموال المضمونين. واليوم، تبدو المفاجأة كبيرة، بأن هذه العقلية ما زالت تحكم تفكير النافذين في السلطة، وإن تبدلت الأسماء والمواقع السياسية، فهناك من يطالب اليوم بتعديل قانون التقاعد بحيث يلغى نظام التقاعد ويتسعاض عنه بتعويض صرف، في تهديد للأمن الإجتماعي لعائلات المتقاعدين وهي بمئات الآلاف. والسؤال: كيف تتعايش السياسة القائمة على ضرب مكتسبات محدودي الدخل والإستدانة لتمويل الهدر والفساد، مع المطالبة بمحاربة الفاسدين واستعادة المال المنهوب؟

هذه السياسة المالية المدمرة لحياة اللبنانيين، بات واضحاً أنها تتواكب مع العقوبات المالية الأميركية على لبنان وتتكامل معها، لضرب كل مكامن القوة المالية والإقتصادية والإجتماعية للبنانيين، فهي:

1- بدأت تطال الجيش، المؤسسة الوحيدة التي بنيت على أسس وطنية بعد الحرب. ولا يقتصر الأمر على رياح التطييف والمحاصصة التي أصابتها، ومحاولة الموازنة بين المؤسستين العسكرية والأمنية، بل الأخطر أنها تضرب معنويات عناصر الجيش بتجويعهم، عندما توقف متعهدو التغذية عن تأمين الطعام للجنود طوال ثلاثة أيام، لأن مستحقات المتعهدين لم تدفع لهم.   

2-  تتسبب باقفال مؤسسات تعيل المئات والألاف من العائلات اللبنانية، فالحرب المالية الأميركية اقفلت مؤسسات ومصارف. كما أدت إلى تعطيل حركة المال السياسي، الذي يشكل عصب تمويل الإعلام اللبناني. وما إقفال أبواب جرائد ومحطات تلفزة إلا بفعل تاثيرات تلك الحرب.

3-  تهدد أمن ومستقبل اللبنانيين، لأن إرتباط الإقتصاد اللبناني بالدولار، مع شح وجود الأخير في الأسواق، يهدد بهبوط قيمة الليرة مجدداً ويعطل عمليات الإستيراد، خصوصاً المواد الحيوية، كالنفط والقمح وغيرها، فترتفع أسعارها قسرياً، مما يضع الناس أمام تجربة ثانية للإفقار وينذر بانفجار إجتماعي يطال المؤسسات والنظام القائم برمته.

والأنكى، في هذه السياسة، أن الحكومة في برنامجها لصرف قروض "سيدر" المزمعة، لم تلحظ غير المشاريع التي لا مردود مادياً لها، خصوصاً على مستوى البنية التحتية، التي نهبت بسببها خزينة الدولة خلال السنوات السابقة، مرة بحجة إنشائها ومرات لتأهيلها.  

كما أن الحكومة تسكت إلى حد التواطؤ على العقوبات الأميركية بحق لبنانيين، مثلما خضعت لتهديدات الجهات الدولية المانحة بخفض تصنيف لبنان الإئتماني ، لتفرض عليه إملاءاتها السياسية والإقتصادية، التي يرى العارفون أن موازنة 2020 لن تكون بمنأى عن تلبية مطالب "المندوب السامي" لمؤتمر "سيدر" بيار دوكان، الذي وجه "أوامر" للحكومة للقيام باجراءات عدة، منها زيادة تعرفة الكهرباء (تحت طائلة زيادة التقنين) وزيادة الجعالة على البنزين. وهناك تأكيدات بأن إقرار الموازنة سيشهد زيادة على المحسومات التقاعدية ورفعاً للضريبة على الودائع المصرفية. وبالنتيجة، هذه المعانات والإملاءات، ما كانت ممكنة لولا سياسة الإستدانة ونظام الريع والفساد، الذي نهب المال العام وافقر الناس وأتاح للأميركي تخيير اللبنانيين بين الجوع وبين القبول بإملاءاته.


مقالات وأخبار مرتبطة
الإنتخابات الرئاسية التونسية ٢٠١٩
مقدسيون: كنا نعيش على أمل رؤية الجيش السعودي يدخل الأقصى فاتحًا
ادفع بالتي هي أحسن .. والا .. "السجن أمامكو"
من ذاكرة التاريخ

عاجل