بهلوانيات إقتصادية لجذب قروض "سيدر"  ـ عدنان الساحلي

الجمعة 06 أيلول , 2019 10:15 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

يكشف مشهد المنسق الفرنسي المكلف تنفيذ مؤتمر «سيدر» بيار دوكان وهو يوجه تعليماته ويقيًم اداء الحكومة اللبنانية  وكأنه مندوب سامي لإحتلال أو إنتداب، عن سرً اندفاع السياسيين اللبنانيين، غير المعتاد، لعقد لقاء سريع في القصر الجمهوري في بعبدا، تلاه التئام الحكومة (التي للصدفة لم يسافر رئيسها هذه الأيام، إلى باريس أو الرياض، كعادته)، ثم موافقة الوزراء الجماعية على كامل ما إتفقت عليه مراجعهم في لقاء بعبدا.

كشف دوكان أنه "لم يلتق بوزراء في لبنان فقط، بل التقى أيضاً ببعض العاملين في المصارف ومالكي الشركات وكبار مدراء الشركات".  وقال إن "فرنسا تضطلع بدور الوسيط بين السلطات اللبنانية والجهات المانحة". وأن أول إنطباعاته "أن الوضع الملحّ للوضع الاقتصادي مفهوم وواضح"، "ولا يمكن ان نجد مؤشراً اقتصادياً ومالياً واحداً ليس سيئاً". ودعا "إلى عدم انتظار حلول سحرية، بل سلسلة إجراءات بينها ما يتعلق بالموازنة وتقديمها ضمن المهل الدستورية. والسعي إلى تخفيض الدين العام، بما في ذلك رفع تعرفة الكهرباء». وطالب "بتخفيض الدين العام عن طريق الخصخصة".

 أضاف في أوامره وتعليماته: "أن على الدولة اللبنانية أن تعرف بأن «سيدر» ليس صندوق هبات أو قروض، بل أنه صندوق للمشاركة في الاستثمارات في مشاريع مفيدة وليس أي مشروع، بل المشاريع التي نقتنع نحن بها، على ان تكون هذه المشاريع بالشراكة بين القطاعين العام والخاص". كما إشترط "أن يسبق أي إصلاحات وتدابير مالية واقتصادية وفاق سياسي داخلي لحمايتها وتعبيد الطريق امام تنفيذها والاستفادة من مفاعيلها". وشدد "على ضرورة تخفيض عجزالخزينة بنسبة 1 في المائة سنوياً. وبداية رفع تعرفة الكهرباء اعتبارا من كانون الثاني المقبل".

 في ظل هذا الإنتداب المالي، الذي يرجح أن يتحول إلى سياسي، كيف تصرف المسؤولون اللبنانيون؟

سارع ساستنا إلى إعلان الطاعة والقبول بهذه التعليمات، بعد أن تراجعوا ضمناً عن تهديداتهم "بإجراءات غير شعبية"، فهم كما فعلوا خلال إقرار موازنة عام 2019 رفعوا سقف تلويحهم بضرائب وعمليات تقشف أثارت الشارع، ليمرروا ضرائب موجعة، لكنها أقل مما "هددوا" به. ومن جهة ثانية هم يلبون مطلب دوكان بتحقيق "إستقرار سياسي".    

وهكذا، تمخض لقاء بعبدا عن: زيادة مزمعة على أسعار المحروقات، خصوصاً البنزين. زيادة على ضريبة فوائد الودائع المصرفية. زيادة على المحسومات التقاعدية وزيادة على تعرفة الكهرباء، أو زيادة التقنين في ساعات التغذية، إذا لم تقر زيادة التعرفة. وبالنتيجة، كما يقال " يا أبو زيد كأنك ما غزيت"، فالحكومة بعد كل هذه الضجة لم تقترب من مكامن الهدر والسرقة ولم تفرض أي ضرائب على الذين كونوا ثرواتهم من سرقة المال العام، أو من التهرب الضريبي، أو من إستيلائهم على الأملاك العامة. كما لم تتطرق إلى خفض رواتب النواب الحاليين والسابقين. أي أن سلة المداخيل المزمعة هي وهمية أكثر مما هي فعلية، على الرغم من أن وكالة «ستاندر أند بورز» أصدرت تقريراً عن احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، وكيفية احتسابها والآليات التي تحكم وظيفتها والنتائج المترتبة عن ضعفها وقوّتها، خلصت فيه إلى أن الاحتياطات تسجّل عجزاً بقيمة 6 مليارات دولار. وهي قاصرة عن تغطية 70% من حاجات لبنان التمويلية بالعملات الأجنبية في السنوات الثلاث المقبلة.

ولفتت الوكالة إلى أن «هناك خطراً من أن يؤدي استمرار تراجع الودائع، وخصوصاً ودائع غير المقيمين، إلى استنزاف الاحتياطات بالعملات الأجنبية، واختبار قدرة لبنان على تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار. وأن استمرار هذا المسار خلال الأشهر الستة المقبلة يمكن أن يدفع الوكالة إلى خفص تصنيف لبنان إلى  CCC". وحذرت من إنهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار، بما يجعل متطلبات الدين العام ترتفع.

 في المقابل، فإن الإجراءات المقررة في لقاء بعبدا الإقتصادي التي "لا تسمن ولا تغني" في تأمين الموارد اللازمة للخزينة، لكنها تلوح بدور للجنة الطوارئ الاقتصادية التي اقرها اللقاء وهي مجرد عنوان غير قابل للصرف، تعني أن كل جهد "التحالف الحكومي" منصب على كيفية إقناع الجهات المانحة في "سيدر"، بأن الحكومة اللبنانية تجاوبت مع شروط المانحين وأنها خفضت الهدر والصرف وهي جاهزة لتسلم القروض التي تقارب الأحد عشر مليار دولار. كما أنها تلبي "أوامر" دوكان باعتماد "التشاركية" وهي الرمز السري لبيع القطاع العام للقطاع الخاص، أي لشركاء المسؤولين في دفع البلاد إلى حفرة الفقر والإستدانة.

وفي المحصلة نحن أمام "بهلوانيات إقتصادية" مكشوفة، يجترحها حكامنا العباقرة، للحصول على قروض "سيدر" ليصرفونها على متعهديهم وموظفيهم ومحاسيبهم. وبعد ذلك ليكن الطوفان. وهذا غير مستغرب على من أفقر البلاد وجوع العباد ووضع يده على أملاك الدولة وحول البلاد إلى محميات وحصص لهذا الزعيم وذاك.

 


مقالات وأخبار مرتبطة
الإنتخابات الرئاسية التونسية ٢٠١٩
قصف أرامكو يكشف "هشاشة" السعودية عسكرياً ويهز ثقة العالم بها
٣٧ عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا
الإعدام للعملاء

عاجل