الثبات ـ رياضة
حين تمنى مدرب أيرلندا ألا يواجه منتخب بلاده"إسرائيل" مجددا، لم يكن يتحدث عن خصم يخشاه داخل الملعب، وإنما عن مواجهة تحولت إلى عبء أخلاقي وسياسي على لاعبيه، وأثارت خلافات امتدت من غرفة الملابس إلى اتحاد كرة القدم والجماهير والحكومة.
أعاد تصريح المدرب الآيسلندي هيمير هالغريمسون إلى الواجهة قصة عمرها نصف قرن، بدأت بمقاطعات عربية وآسيوية، وأفضت إلى إقصاء إسرائيل من مسابقات الاتحاد الآسيوي لكرة القدم عام 1974، ثم طردها رسميا من عضويته بعد عامين. وأمضت بعدها سنوات تتنقل بين التصفيات القارية قبل أن تجد مكانا دائما في أوروبا، حيث تواجه اليوم مطالبات متزايدة بتعليق مشاركتها.
لم يكن هالغريمسون يبحث عن عذر للتعادل حين وقف أمام الصحفيين في بلدة باتشكا توبولا الصربية، مساء الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026. كانت نتيجة المباراة في أسفل قائمة اهتمامات المدرب الذي انصرف حديثه سريعا إلى ما جرى خارج الملعب.
سُئل المدرب الآيسلندي عما إذا كان ينبغي السماح بتجدد المواجهة بين المنتخبين في البطولات الأوروبية المقبلة، فجاء جوابه قاطعا "لا، لا ينبغي ذلك".
ثم أوضح أن القرار يعود إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، معربا عن أمله في ألا يضطر منتخب آخر إلى المرور بما عاشه لاعبوه وجهازه الفني خلال الأسبوعين السابقين.
وقال، وفق هيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية "آر تي إي"، إنه لا يتمنى لأي منتخب أن يعيش التجربة التي مر بها فريقه، داعيا "يويفا" إلى التدخل.
اعتاد المدربون مطالبة الاتحادات الرياضية بحماية لاعبيهم من الإصابات والإرهاق وضغط المباريات، لكن هالغريمسون كان يتحدث هذه المرة عن الضغوط النفسية والسياسية والأخلاقية التي رافقت مواجهة منتخب دولة تتهمها جهات أممية وحقوقية بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة.
أصبحت مشاركة إسرائيل في المنافسات الدولية تضع بعض الاتحادات واللاعبين أمام أسئلة تتجاوز حدود الرياضة. هل تعني المشاركة في المباراة قبول التعامل الرياضي المعتاد مع دولة ترتكب جرائم ضد الإنسانية؟ وهل تمثل المقاطعة موقفا أخلاقيا مشروعا، أم أنها تعاقب الرياضيين على قرارات حكوماتهم؟ ومن يتحمل كلفة الانسحاب إذا قرر اللاعبون أو اتحاداتهم الامتناع عن المشاركة؟
هذه الأسئلة، التي انقسم حولها الأيرلنديون، سبق أن واجهت كرة القدم الإسرائيلية بعضا من تبعاتها في آسيا، حين انتهى رفض منتخبات عديدة مواجهتها إلى إخراجها من الاتحاد القاري الذي تنتمي إليه جغرافيا.
أما المفارقة اليوم، فهي أن الجدل ينبع من أوروبا نفسها، القارة التي فتحت لإسرائيل أبواب مسابقاتها بعد سنوات طويلة من التيه والبحث عن اتحاد يستقبلها.
القصة أكبر من رفض المصافحة
قبل بداية المباراة في صربيا، وقف اللاعبون للاستماع إلى النشيدين الوطنيين. خفض لاعبو أيرلندا رؤوسهم وحدقوا في الأرض أثناء عزف النشيد الإسرائيلي، ووضعوا على أذرعهم شارات سوداء تحية لذكرى شهداء الحرب في غزة. كانت التفاصيل الصغيرة تحمل معاني أكبر من المباراة.
وعندما حانت مراسم قرعة البداية، صافح قائد أيرلندا، الحارس كاويمين كيليهر، طاقم التحكيم، لكنه تجنب مصافحة بيريتس. لم يكن التصرف مفاجئا؛ فقد فعل القائد دارا أوشي الشيء نفسه قبل أسبوع، عندما التقى المنتخبان في مدينة ديبريتسن المجرية، وفازت أيرلندا بثلاثة أهداف دون رد.
ولم يكن الامتناع عن المصافحة قرارا فرديا عابرا؛ إذ غابت أيضا الطقوس التقليدية لتبادل الرايات التذكارية بين المنتخبين.
في العرف الكروي، لا تعني المصافحة اتفاق اللاعبين على سياسات حكوماتهم، لكنها إحدى الإشارات التي تؤكد أن المباراة تجري في إطار علاقة رياضية طبيعية. لذلك اكتسب غيابها دلالة خاصة، وافق الأيرلنديون على اللعب، لكنهم امتنعوا عن وفعلوا ما لا يجعل اللقاء اعتياديا أو طبيعيا.
حتى مكان المباراة كان جزءا من أزمة يسببها الوجود الإسرائيلي في ظل الإبادة الجارية في غزة، فالمواجهة الأولى أُقيمت في المجر، بعيدا عن إسرائيل، بسبب القيود الأمنية على استضافتها المباريات الدولية. أما المواجهة الثانية، التي كان يفترض أن تستضيفها أيرلندا في دبلن، فنُقلت إلى صربيا وأُقيمت خلف أبواب مغلقة، بعدما أصبحت استضافتها محليا قضية سياسية وأمنية شائكة.
في الملعب الخالي، تقدم الأيرلنديون بهدف تروي باروت من ركلة جزاء، قبل أن يدرك بيريتس التعادل مطلع الشوط الثاني. واشتدت الاحتكاكات بين اللاعبين، ووقعت مشادة قرب النفق المؤدي إلى غرف الملابس، وسط اتهامات متبادلة بين الطرفين.
لكن ما سيبقى من تلك الأمسية، على الأرجح، ليس ركلة الجزاء ولا هدف التعادل، بل صورة قائد يمد يده إلى الحكم، ثم يعزل قائد الفريق المنافس ويمر دون مصافحة.
منتخب يصوّت على ضميره
كانت المباراة قد بدأت في أيرلندا قبل أسابيع من انطلاقها في المجر وصربيا. فمنذ أن أوقعت القرعة المنتخبين في مجموعة واحدة بدوري الأمم الأوروبية، تحولت المشاركة إلى قضية رأي عام. وفي بلد يرتبط فيه التضامن مع الفلسطينيين بتاريخ طويل من النقاش السياسي والشعبي، لم يكن سهلا على اتحاد الكرة أن يقدم المواجهتين بوصفهما مجرد استحقاقين في جدول المباريات.
كان الاتحاد الأيرلندي نفسه قد صوّت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لصالح مطالبة "يويفا" بتعليق مشاركة إسرائيل في مسابقات الأندية والمنتخبات. ثم وجد نفسه، بعد أشهر، مطالبا بخوض مباراتين رسميتين أمام المنتخب الذي دعا إلى إبعاده.
وضعت تلك المفارقة المسؤولين واللاعبين أمام خيارين كلاهما مكلف؛ المقاطعة وما قد تستتبعه من عقوبات رياضية، أو المشاركة وما قد تثيره من اعتراضات أخلاقية داخل البلاد
ولم يبق الخلاف في الصحف والبرلمان، فقد وقع أكثر من 160 رياضيا أيرلنديا رسالة تطالب بإعادة النظر في خوض المباراتين. وظهرت في شوارع دبلن لافتات تحث اللاعبين على الاحتكام إلى ضمائرهم، بينها ملصق ضخم قرب نهر ليفي يحمل صورة كرة ملطخة بالدماء.
أما الحارس غافين بازونو، فقرر أن يحسم الموقف بطريقته. أبلغ زملاءه أنه لن يشارك في المباراتين، مستندا إلى إيمانه بأن قتل الأبرياء أمر خاطئ. لم يكن القرار سهلا على لاعب دولي؛ فالانسحاب من معسكر المنتخب ليس خطوة معتادة، وقد تكون له تبعات رياضية وشخصية. لكن الأثر الأعمق لقراره ظهر داخل غرفة الملابس. اجتمع اللاعبون وناقشوا الموقف، ثم رجحت كفة المشاركة في المباراتين مع أخذ إجراءات اعتراضية.
وكان هالغريمسون يخشى أن يصل الضغط إلى نقطة الانفجار، وفي الوقت نفسه، رأى أن الانسحاب سيمنح إسرائيل نقاط المباراتين، وربما يعرض المنتخب الأيرلندي لعقوبات تمس مستقبله، خصوصا أن بلاده تستعد للمشاركة في استضافة كأس أوروبا 2028.
حتى هيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية "RTÉ" لم تنجُ من المعضلة نفسها، فقد التزمت بنقل المباراتين بموجب حقوق البث، لكنها ألغت الاستوديوهات التحليلية والتعليق الخاص بها، وامتنعت عن قبول الإعلانات والرعاية المرتبطة بهما. وهكذا، أصبح اللقاء عبئا حتى على الجهة التي تنقله إلى المشاهدين بدلا من أن يكون مصدر أرباح لها.
وامتد الاحتجاج إلى مباراة لا تشارك فيها إسرائيل أصلا. ففي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، ألقى محتجون كرات تنس تحمل أعلام فلسطين إلى أرضية ملعب أفيفا خلال مواجهة أيرلندا والنمسا، فتوقف اللعب مؤقتا.
وعندما حاول هالغريمسون الدفاع عن لاعبيه، قال إنهم لا يلعبون "مع الإبادة الجماعية"، بل "ضدها"، في إشارة إلى ما ترتكبه إسرائيل من جرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
رد الاتحاد الإسرائيلي بعنف، متهما المدرب بالجهل والنفاق، ليتحول الخلاف إلى سجال علني تدخل فيه رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن دفاعا عن مدرب المنتخب.
لكن هذه ليست المرة الأولى التي تجد فيها إسرائيل نفسها أمام منتخبات لا تريد مواجهتها. فمنذ عقود، عاشت كرة القدم الإسرائيلية أزمة أكثر جذرية، لم تنتهِ بغياب المصافحات، بل بطردها خارج قارة كاملة.
طهران 1974.. النهائي الذي تزامن مع الإقصاء
في 15 سبتمبر/أيلول 1974، امتلأ ملعب "آريامهر" في طهران بنحو 100 ألف متفرج لمتابعة نهائي كرة القدم بدورة الألعاب الآسيوية بين إيران وإسرائيل.
كان المشهد يحمل مفارقة سياسية لافتة، فإيران الشاه محمد رضا بهلوي، التي استضافت الدورة، احتفظت بعلاقات أمنية وتجارية وثيقة مع إسرائيل في وقت كانت فيه غالبية الدول العربية ترفض الاعتراف بها.
وتولى تدريب المنتخب الإيراني يومها الأيرلندي فرانك أوفاريل، المدرب السابق لمانشستر يونايتد، الذي عاد اسمه بعد أكثر من نصف قرن ليضيف مصادفة تاريخية إلى المشهد، بعدما أصبح مدرب أيرلندي آخر طرفا في أزمة مواجهة إسرائيل، وإن من موقع مختلف تماما.
كان المنتخب الإسرائيلي قد تأهل إلى النهائي بعدما حقق أربعة انتصارات على ماليزيا والفلبين واليابان وبورما، المعروفة اليوم بميانمار، واستفاد أيضا من رفض منتخبي كوريا الشمالية والكويت مواجهته في الدور الثاني لأسباب سياسية.
واحتُسبت المباراتان لصالح إسرائيل بنتيجة واحدة (2-0)، لتتصدر مجموعتها وتتأهل إلى النهائي.
كانت المقاطعة داخل الملعب امتدادا لتحركات سياسية ورياضية قادتها الكويت منذ سنوات لإخراج إسرائيل من الاتحاد الآسيوي لكرة القدم. وعندما دخل المنتخبان الإيراني والإسرائيلي أرض الملعب، كانت الجمعية العمومية للاتحاد قد أقرت بالفعل قرارا يمنع إسرائيل من استضافة بطولاته أو المشاركة فيها مستقبلا.
أكثر من 70% يرفضون استمراره مع المنتخب.. أزمة جديدة تحاصر رونالدو
ميسي يودّع الأرجنتين: كنت أتمنى البقاء مع المنتخب طوال حياتي
ملعب نيوم.. السعودية تتراجع عما كان متوقعا أن يكون درة ملاعب مونديال 2034