فجّروا الحجر… فلا تفجّروا المعنى ...

الإثنين 14 أيلول , 2026 07:19 توقيت بيروت لـبـــــــنـان

الثبات ـ لبنان

فجّر العدو علي الطاهر ، لكن المعركة لا تنتهي عند لحظة الانفجار .

ولست هنا في موقع الواعظ ، ولا أدّعي أنني أعرف كل ما يدور في حسابات العدو . لكن من المفيد أن نتوقف قليلاً أمام المشهد ، لأن تفجير موقع بهذه الرمزية قد لا يكون هدفه عسكرياً فقط ، فقد تكون للرسالة التي يريد إيصالها إلى جمهورنا أهمية لا تقل عن أهمية الموقع الذي دمّره .

فالعدو لا يراقب ما دمّر فحسب ، بل يراقب أيضاً كيف تلقّينا الضربة ، وكيف سنتحدث عنها ، وما إذا كان الركام الذي خلّفه قادراً على أن يتحول في وعينا إلى صورة هزيمة .

وهنا يجب أن ننتبه .

لا تمنحوا العدو انتصاراً بألسنتنا ، ولا تجعلوا من الركام الذي خلّفه مادةً لانهيارٍ لم يصنعه هو .

نعم ، المشهد مؤلم ، وعلي الطاهر ليس حجراً عادياً في وجدان من يعرف تاريخه وموقعه . ومن الطبيعي أن نحزن على ما أصاب هذا المكان ، لكن الحزن لا يعني الهزيمة ، والضربة لا تعني نهاية الطريق .

قد يهدمون موقعاً ، وقد يدمّرون معلماً ، وقد يرفعون صورهم فوق الركام باعتبارها مشهد انتصار ، لكنهم لا يملكون أن يقرروا لنا معنى ما جرى ، ولا أن يكتبوا بأقلامنا خاتمة الحكاية .

لذلك ، لا تجعلوا رواية العدو تكبر في عيوننا أكثر من حجم الحدث نفسه .

دعوه يراقب… وليرَ ما لا يريد أن يراه:
أننا نعرف حجم الضربة ، لكننا لا نمنحه حجم الانتصار الذي يريده .

وقبل أن نسمح لصورة الركام أن تختصر لنا حكاية علي الطاهر ، لنتذكر شيئاً آخر:
هناك رجالٌ صمدوا في هذه التلة قرابة ثلاثة أشهر ، وواجهوا محاولات اقتحام متكررة ، وقصفاً يومياً ، وطائراتٍ وألويةً وأجهزةَ استخبارات ، وبقوا في مواقعهم يقاومون حتى الرمق الأخير .

فكيف يُقاس ما صنعه هؤلاء الرجال بما يريد العدو أن يقوله اليوم عن المكان الذي قاتلوا فوقه؟
جيوشٌ كاملة اهتزّت وانسحبت أمام ما هو أقل بكثير مما واجهه أولئك المجاهدون ، بينما بقي هؤلاء في موضعهم ، يقاومون تحت النار ، ويمنعون العدو من تحويل كل ما يملكه من قوة إلى انتصار سهل .
لذلك ، حين نرى الركام اليوم ، لا ينبغي أن ننسى ما كان تحته: 
رجالاً ثبتوا حيث كان المطلوب منهم أن يثبتوا .
وإذا سمحنا للانكسار أن يكون هو الصورة التي تبقى في نفوسنا ، فنحن لا نمنح العدو أكثر من مجرد انتصار في الصورة بل نطمس ، من حيث لا ندري ، أثر ثبات أولئك الذين صنعوا الحكاية قبل أن تُفجَّر حجارتها .

فليكن واضحاً:

نحن نرى الضربة ، لكننا لا نرى فيها نهاية المعركة .
نحزن ، لكننا لا ننهار .
نتألم ، لكننا لا نسلّم عقولنا لرواية العدو .

والأهم…

فجّروا الحجر… أما المعنى ، فلا يُفجَّر .

فلا تجعلوا العدو يكتب بأقلامنا الفصل الأخير من حكاية علي الطاهر ...

ناصر خزعل


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل