أن تفاوض عارياً

الأربعاء 15 نيسان , 2026 08:09 توقيت بيروت لـبـــــــنـان

الثبات ـ لبنان

فجأة يعلن بنيامين نتنياهو موافقته على التفاوض مع لبنان، بعد حوالي شهر من إعلان الرئيس جوزاف عون عن مبادرته للتفاوض المباشر، وطوال مدة العرض اللبناني المفتوح، لم تلقَ دعوات بعبدا أذناً في تل أبيب، ولم تشفع لها الوساطات، وتماهت مع الأذن الإسرائيلية الصماء أذنٌ أميركية، كانت أكثر استهتاراً حينها، ليأتي رد واشنطن أكثر إهانة: قرار لبنان بيد نتنياهو.

ما الذي تغيّر حتى قبل نتنياهو بالتفاوض، الجواب تحوّل في لبنان إلى مشاع في التأويل والتفسير، وكالعادة، إلى قضية سيادية وفق البازار اللبناني، الذي لم يجد حرجاً بعض المسؤولين من إدخال دماء الشهداء فيه، بعد المجازر الإسرائيلية يوم الأربعاء في الثامن من الشهر الجاري، ومجزرة أمن الدولة في النبطية، كأن "كورونا" سياسية وإعلامية اجتاحت البلاد، محورها، أن أيَّ كلام أهون من ربط الموافقة الإسرائيلية المفاجئة على التفاوض، بمحادثات إسلام آباد، والشرط الإيراني بوقف العمليات العسكرية في لبنان.

"لا يحق لأحد أن يفاوض عنا"، من المفترض أن يكون هذا الكلام بديهياً كموقف أي حكومة في أي دولة، أمّا لماذا كان له هذا الجدل في لبنان، فلأنه يأتي في سياق شديد الوضوح، لا يحتاج إلى عبقرية في الفهم ولا ذاكرة استثنائية، ولأنه يأتي مُتَوَقعاً في سياق ما شهده البلد منذ انتخاب رئيس الجمهورية، ويصير أكثر وضوحاً مع المسار الخانق الذي أفضى إلى تكليف الرئيس نواف سلام برئاسة الحكومة، في لحظة صعبة ومسروقة، ولأن ما بدأ بتوصيف "الانقلاب على التفاهمات" في الماضي، من الطبيعي أن يكون بهذا المستوى من الخلافات في الحاضر.

بتبسيط أكثر، هذا ما يحدث حين يُرَكَّبُ حكمٌ وحكومةٌ تحمل في طياتها كل عوامل انفجارها، في منطقة هي قلب الصراع بين مشروعين، وبمواجهة صفرية، ولأن (الحكومة) منذ لحظتها الأولى، كانت ولادتها بمنتهى الصعوبة على فريق المقاومة، الخارج من مواجهة مع "إسرائيل"، تكبّد فيها خسائر كبيرة جداً، ولضخامتها، خُدِعَ من خُدِع، في الداخل والخارج، والإسرائيلي منهم طبعاً، أن حزب الله انتهى، ويلفظ أنفاسه الأخيرة.

اللحظة الخانقة تلك، يعادلها ويتخطاها اليوم لحظة لا تقل عنها حدة، لكنها في اتجاهٍ عكسي، استيقظ منتشو الأمس على "ديالكتيك ساخر" ومُربِك، على خيبةٍ تَوزَّعَ ضحاياها بين الداخل والخارج، والإسرائيلي منهم أيضاً، أن حزب الله لم ينتهِ، كأنه حزب آخر، أو كما وصفه مصدر إسرائيلي بتساؤل "من هؤلاء"، كثرٌ سينتظرون إجابة أو حتى تفسير، كيف استطاعت المقاومة بسرية تامة، إعادة ترميم قدراتها ومعالجة الخروقات، والأهم الهيكلة الصلبة للقيادة والسيطرة.

جزء كبير من فريق المقاومة لم يستغرب المواقف الرسمية اللبنانية، خصوصاً بعد صراخ الاستجداء الطويل للتفاوض، كانت ضمن التوقعات باعتبارها تتماهى مع المشروع الذي يمثّله هذا الفريق، ولا مبالغة في القول، هو أكثر من تماهٍ، هو في الواقع دورٌ وظيفي في مسارٍ، تُشَكِّلُ هذه الحرب (عند البعض) فرصة للقفز فوق التوافق الوزاري ومجلس النواب والدستور للبدء بالمفاوضات المباشرة، مسار شكَّلَت نتائجُ الحرب الماضية فرصةً للبدء به، ويرى هذا البعض في الحرب الحالية فرصةً لإتمامه، ومفاوضات إسلام آباد تُخَرِّبُ هذه الفرصة.

التظاهرات المحدودة التي خرجت احتجاجاً على التفاوض، ورغم تأكيدها والتزامها بالسلمية واحترام القوانين، قوبلت بانتقادات وبموجة اتهامات بتهديد السلم الأهلي، وتحميل الثنائي أمل وحزب الله المسؤولية، وبالمناسبة، لم يعد سراً أن في لبنان الذي لا يزال يعاني من آثار الحرب الأهلية، من يريد تحويل قضية السلم الأهلي والحرب الداخلية إلى فزاعة، ويعرف مدى حرص وحساسية فريق المقاومة في هذا الموضوع، ولهذا تستخدم كورقة ابتزاز لإسكات جزء كبير جداً من اللبنانيين، ولمنعهم حتى من حق التظاهر لمواجهة قرار مصيري بحجم قرار السلطة بالتفاوض المباشر، هذا أمر بمنتهى الخطورة، لا يقلّ خطورة عنه استخدام دماء شهداء الجرائم الإسرائيليةَ كـ"ذريعة وطنية"، يُسوقُ لها ببيانات استغباء، وبتصريحات وزراء ومسؤولين، تبرر للخطأ بالخطيئة.

في العادة تفرض الحروب إيقاعها على الدول، والمُفتَرَض أن تُظهِرَ الهويةَ الوطنيةَ للدولة المعتدى عليها، أن يتبلور موقفٌ موحدٌ أو أقرب إلى الوحدة على الأقل، في لبنان يحدث العكس، تُستَحضَرُ القضايا الخلافية وتصير في قمة الأوليات، ويُخرِجُ المجتمعُ نماذجَه الأكثرَ تطرفاً، ساسة ومواطنين، وفي الطرف الآخر جزء أكبر من اللبنانيين، نازح ومكلوم، ويطلب منه الصمت وعدم الاعتراض على قرارات قد تكلّفه حياته وأرضه، في حالة كهذه، إذ كيف سيفهم من فقد ابنه في مجزرة إسرائيلية "حكمة" الدبلوماسية في بيان الرئاسة، وكيف سيثق من احتُلَّت أرضُهُ بقدرة رئيس الحكومة على "تحرير القرى وإعادة إعمارها واسترجاع الأسرى"، وهو يحرص في كل إطلالة تقريباً على عبارة " الحرب التي لم تكن خيارنا" أو "الرهانات الخاطئة"، فيما يتعامل مع خيار التفاوض كقرار صائبٍ وأوحد، وفي الحكومة وزير خارجية يعتمد "دبلوماسية البكاء"، وعلى حب الأميركيين " الأميركان بحبونا، فمنروح منبكي عندهم دخيلكون إذا فيكن تطلعولنا الإسرائيلية "، وفي الحكومة ذاتها وزير يؤمن أن مظلومية لبنان سلاحٌ في التفاوض، في عودة لمقولة: "قوة لبنان في ضعفه "، رغم غبائها وتفاهتها، وفي الحكومة ذاتها وزير يتحدّث بقوةٍ عن لبنان كـ"بلد مستقل ويفاوض عن نفسه بكل جرأة"، شخصياً، ذكّرتني بـ"جرأة" الرئيس أنور السادات حين قرّر الذهاب إلى "إسرائيل"، وبغبار البطولات تحت قبة الكنيست حين قال إن "السلام في الشرق الأوسط ممكن، لكنه بحاجة إلى زعماء شجعان".

اليوم، ومقارنةً بالنموذجين الساداتي و "الإبراهيمي"، وكلاهما مُفضّلان لدى النموذج اللبناني، تبدو مدرسة التفاوض الفيتنامية المضبوطة على إيقاع البندقية مزعجة، تلك المحادثات التي كان الفيتنامي يتشدد فيها كلما حققت مقاومته إنجازاً على الأرض، بمعادلة حادة لا ترحم، علَّمَت هنري كيسنجر يومها، أن كل خسارة على الأرض خسارة على طاولة المفاوضات الباريسية، هنا أعرف أن التشبيه لا يصح، وأن في لبنان أسماء عظيمة تُذَكِّرُ بالجنرال "جياب" وبـ "هو تشي منه"، لكن "لبنان المفاوض" المطمئن لضمانة واشنطن، وحبِّها، يُصِر على الذهاب عارياً، إلى عاصمة ضائعة في جغرافيا الولاء والابتزاز، بين أميركيتها ونفوذ اللوبي الصهيوني المطلق فيها، هناك لن يعطيه أحدٌ ورقةَ تين، ولن يُذَكِّره بوصية رافائيل إيتان أن "أفضل أنواع التفاوض، التفاوض مع الموتى".

محمد المقهور


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل