الثبات-إسلاميات
علاماتُ النجاحِ في النهاياتِ، الرجوعُ إلى اللهِ في البداياتِ
هذه الحكمة كلمة موجزة في لفظها، عظيمة في معناها، تختصر طريق السير إلى الله، وتكشف سرَّ التوفيق في الدنيا والآخرة. فليست العبرة عند أهل البصائر بكثرة الأعمال، ولا بضخامة المشاريع، ولا بظاهر النتائج، وإنما العبرة بصحة المنطلق، وصدق التوجه، وإخلاص البداية.
فمن أصلح ما بينه وبين الله في أول أمره، أصلح الله له ما بعده، ومن صدق في الرجوع إلى الله عند انطلاقته، بلّغه الله مقاصده وأحسن عاقبته.
الرجوع إلى الله في البدايات ليس كلمة تُقال، بل حالٌ يُعاش. هو تصحيح للنية قبل العمل، واستحضار لعظمة الله قبل الحركة، واستمداد للعون قبل الشروع.
هو أن يبدأ العبد يومه بالتوكل، وعمله بالاستخارة، ومشروعه بالاستخلاص من حظوظ النفس.
هو أن يفتش في قلبه قبل أن يمد يده، وأن ينظر في سريرته قبل أن يُظهر علانيته.
ولذلك جاء التوجيه القرآني حاسمًا واضحًا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، فالفرار إلى الله هو البداية الصحيحة لكل طريق، وهو الحصن الذي يقي من الانحراف في أثناء السير.
وقال شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾، فالتوفيق ليس ثمرة الذكاء المجرد، ولا الخبرة وحدها، بل عطية إلهية تُمنح لمن صدق في اللجوء.
إن العلاقة بين البدايات والنهايات علاقة سننية ثابتة؛ فكما أن البذرة تحدد نوع الثمرة، فإن النية تحدد قيمة العمل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَانْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، فالغد امتداد لما يُقدَّم اليوم، والنهاية صورة مكبرة للبداية. ولهذا كان النبي ﷺ يؤكد أن العبرة بالخواتيم، فقال: ((إنما الأعمال بالخواتيم)) غير أن حسن الخاتمة لا يُرتجل ارتجالًا في اللحظة الأخيرة، بل يُبنى لبنةً لبنة منذ أول الطريق.
ومن رحمة الله أن من صدق في الخطوة الأولى أعانه في بقية الخطوات، كما في الحديث القدسي: ((من تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا))، فالمبادرة من العبد يقابلها مدد من الرب، والبداية الصادقة تستجلب عنايةً مستمرة.
إن النجاح في ميزان الإيمان ليس مجرد وصولٍ إلى منصب، أو تحصيلِ مال، أو شهرةٍ بين الناس؛ بل النجاح أن يرضى الله عنك، وأن يبارك في سعيك، وأن يختم لك بخير. قال تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، فهذا هو الفوز الحقيقي الذي تتضاءل أمامه كل نجاحات الدنيا.
وكم من إنسانٍ بدأ معتمدًا على نفسه، مغترًا بقدرته، فانتهى به الأمر إلى خيبة أو قسوة قلب، وكم من عبدٍ بدأ ضعيفًا مستعينًا بربه، ففتح الله له من أبواب الخير ما لم يكن في حسبانه.
السر ليس في ضخامة الخطوة، بل في وجهتها؛ فإن كانت إلى الله كانت مباركة، وإن كانت إلى النفس كانت مثقلة بالآفات. ولهذا فإن أعظم ما يحتاجه المؤمن عند كل بداية — بداية يوم، أو علم، أو عمل، أو زواج، أو مشروع — أن يسأل نفسه: هل رجعتُ إلى الله حقًا؟ هل صححت نيتي؟ هل استغفرت من تقصيري؟ هل توكلت عليه أم على خبرتي؟ فإن وجد في قلبه صدق الالتجاء فليبشر بخير العاقبة، ولو تأخرت بعض النتائج؛ لأن الله لا يضيع من قصده.
ومن وجد في قلبه التفاتًا إلى حظوظ النفس فليعالج البداية قبل أن يستعصي عليه إصلاح النهاية.
وهكذا تختصر هذه الحكمة طريق السالكين: أصلح بدايتك تُصلح نهايتك، وارجع إلى الله في أول أمرك تجده معك في آخره
. فالتوفيق أولًا، ثم التيسير، ثم التمام، وكلها ثمرات شجرةٍ اسمها الرجوع إلى الله. نسأل الله أن يجعل بداياتنا قائمة على الإخلاص، وأن يختم لنا بالحسنى، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها.
نفحات يوم الجمعة......فريضة صلاة الجمعة
بين رجاء الأمة ومقام الأم...
كلامهم في التَّوْبة...مراتب التوبة في كلام السلف والعارفين