بوليفيا على حافة الانهيار والرئيس يحذر المتظاهرين

الخميس 28 أيار , 2026 09:56 توقيت بيروت دولــي

الثبات ـ دولي

حذر الرئيس البوليفي رودريغو باز، أمس الأربعاء، من أن بلاده على حافة الانهيار، وذلك بعد نحو شهر من الاحتجاجات التي تسببت في نقص حاد في الغذاء والوقود والأدوية المنقذة للحياة.

ويواجه باز -المدعوم من الولايات المتحدة  والذي تولى منصبه قبل 6 أشهر وسط أسوأ أزمة اقتصادية منذ 40 عاما- موجة غضب عارمة بسبب سياساته الوسطية اليمينية.

وتشهد العاصمة السياسية لاباز حشودا من العمال ذوي الدخل المحدود وأفراد الأغلبية من السكان الأصليين الذين يطالبون باستقالته.

وقال الرئيس البالغ من العمر 58 عاما، في خطاب متلفز للأمة أمس الأربعاء “البلاد بحاجة إلى النظام، وقد بلغت حدا لا يطاق”.

وأضاف موجها كلامه إلى المتظاهرين “إذا كانوا لا يريدون الحوار فلا سبيل آخر”، مصرّا في الوقت نفسه على أنه يفضّل التفاوض، قائلا “لدينا ضحايا بسبب الحصار. لا بد من محاسبة أحدهم على ذلك”.

ولم يستبعد الرئيس البوليفي مع ذلك استخدام “الأدوات الدستورية” لإنهاء حصار لاباز، في إشارة إلى إعلان حالة الطوارئ.

وقال محذرا “كل من يريد تدمير البلاد سيواجه هذا الرئيس وقوة الدستور كاملة”، مؤكدا للشرطة والجيش دعم الشعب لهما.

وتتزايد الدعوات الموجهة إلى باز لفرض حالة الطوارئ، مما يعني أن الجيش سيكون مسؤولا عن استعادة النظام العام مدة 60 يوما.

وأقر الكونغرس قانونا يرفع القيود المفروضة على دور الجيش في قمع الاضطرابات المدنية في وقت متأخر من مساء الثلاثاء الماضي، وأصبح لدى باز الآن السلطة الدستورية لتفعيل هذه الصلاحية التي عدَّها “خيار الملاذ الأخير”.

وجاءت تحذيرات الرئيس البوليفي في الوقت الذي سارت فيه آلاف النساء من السكان الأصليين، مرتديات تنانير تقليدية متعددة الطبقات، في شوارع لاباز في “عيد الأم” في بوليفيا، تضامنا مع عمال النقل المضربين.

وقالت المتظاهرة مارتا بوما لوكي لوكالة الصحافة الفرنسية، في إشارة إلى باز “لسنا خائفات من الموت. لقد قلنا له بالفعل أن يحزم أمتعته ويرحل”.

وبدأت المظاهرات في أوائل مايو/أيار الجاري للمطالبة بزيادة الرواتب لمساعدة العمال على تجاوز الأزمة الاقتصادية الحادة، وتوفير إمدادات وقود مستقرة، وإلغاء الإصلاح الزراعي غير الشعبي.

ورغم بعض التنازلات التي قدّمها باز، بما في ذلك ما يتعلق بإصلاح الأراضي، فقد تحولت الاحتجاجات إلى ثورة عارمة.

وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، تحولت لاباز إلى ساحة معركة، حيث اشتبكت شرطة مكافحة الشغب مرارا وتكرارا مع المتظاهرين، وسط توجيه اتهامات لحكومة الرئيس السابق إيفو موراليس المختبئ بتدبير هذه الاضطرابات.

وفي الأيام الأخيرة، نظم سكان لاباز مظاهرات مضادة صغيرة ضد الحواجز التي تمنع وصول الإمدادات الأساسية إلى المدينة.

وقال زولم هينوخوسا، الذي يعاني ابنه (13 عاما) الربو ومشكلات في القلب “أصبحت الأدوية باهظة الثمن، وبعضها بدأ ينفد”.

وفي مستشفى كلينيكاس دي لاباز الحكومي، أحد أقدم المستشفيات وأكبرها في البلاد، صرّح أطباء لوكالة الصحافة الفرنسية بأن مخزون الأكسجين لديهم يكفي لبضعة أيام فقط.

وفي حين قُدّرت الخسائر الناجمة عن الاحتجاجات بـ 600 مليون دولار، حاول باز تهدئة غضب المتظاهرين بالإعلان عن خفض راتبه إلى النصف تضامنا مع الفقراء، وهي لفتة رمزية بحتة، إذ يبلغ دخله الشهري نحو 24 ألف بوليفيانوس (نحو 3500 دولار أمريكي).

كما تعهد بمنح جماعات السكان الأصليين والنقابات العمالية دورا أكبر في صنع السياسات، وأقال وزير العمل الذي لا يحظى بشعبية، ولكن دون جدوى.

وقبل أقل من 6 أشهر، بدا أن تنصيب باز يبشر بواقع جديد للبوليفيين الذين يعانون أسوأ أزمة اقتصادية منذ جيل، والذين سئموا عقدين من الحكم الاشتراكي شبه المتواصل.

واختفت الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود بعد أن أمّن باز المؤيد لقطاع الأعمال واردات الوقود. وارتفعت قيمة العملة البوليفية -التي كانت تعاني انخفاضا مزمنا لقيمتها- في السوق السوداء، كما انتعشت أسواق الأسهم بفضل خطته لتقليص عجز الميزانية.

وبعد سنوات من العزلة الدبلوماسية، شعر البوليفيون بالفخر لعشرات الوفود الدولية التي احتفلت بتنصيب باز، في الوقت الذي أصلح فيه العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية.

والآن، تبدد ذلك التفاؤل ليحل محله الخوف، إذ تهز الاحتجاجات العنيفة حكومة حليف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في حين حاصر المتظاهرون المدن الرئيسية حاملين الديناميت، مما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والوقود والإمدادات الطبية.

وطالب السكان الأصليون وسكان الريف البوليفيون -الذين أيّدوا وعود باز الانتخابية بتغيير الوضع الراهن مع الحفاظ على الرفاه الاجتماعي- باستقالته.

ولم يعيّن باز أيا من أعضاء الأغلبية من السكان الأصليين في بوليفيا في مناصب رفيعة. ودعم مشروع قانون إصلاح الأراضي لتعزيز الأعمال الزراعية، وهو ما عدَّه المزارعون الأصليون تهديدا لهم بالإخلاء.

كما ألغى دعم الوقود، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تقارب 90%. واشتكى سائقو السيارات من تلوث البنزين وتسببه في تلف سياراتهم.

ولتخفيف أثر ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب على إيران، قدّم باز مساعدات نقدية للأسر الأكثر احتياجا، ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 20%، وألغى قانون الأراضي المثير للجدل، لكنه رفض أيضا مطالب زيادة الرواتب، مما أثار غضب نقابة العمال الوطنية.

وبسبب الطبيعة الجغرافية الفريدة، يمكن للحواجز المقامة على طول المنحدرات المؤدية إلى العاصمة لاباز أن تعزل تماما أكثر من 1.6 مليون من سكان المدينة وضواحيها، أي ما يزيد على 13% من سكان البلاد.

ولطالما استخدمت حركات السكان الأصليين إستراتيجية الحصار، التي شاعت خلال ثورة أواخر القرن الثامن عشر ضد الاستعمار الإسباني.

وفي عامي 2003 و2005، أطاح المتظاهرون -الذين أغلقوا مدينة لاباز احتجاجا على مطامع أجنبية في احتياطيات الغاز الطبيعي لبلادهم- بحكومتين متتاليتين مواليتين للغرب، مما مهّد الطريق لصعود الرئيس السابق إيفو موراليس مؤسس حركة “نحو الاشتراكية”.

ومع دخول إغلاق الطرق الذي يخنق لاباز أسبوعه الرابع، لا تزال آلاف الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية وغيرها من الضروريات -مثل إمدادات الأكسجين للمستشفيات- عالقة على الطرق السريعة.

واختفى اللحم البقري والبيض والفواكه من رفوف المتاجر، ويجري نقل الدجاج المدعوم جوا إلى لاباز عبر طائرات عسكرية.

وتقول الحكومة إن 4 أشخاص على الأقل لقوا حتفهم بسبب نقص الرعاية الطبية، ولا تزال المستشفيات تعمل، لكن الطواقم الطبية تقنن الإمدادات وتركز على الحالات الحرجة.

ويصعّد أصحاب المتاجر وعمال النقل المعارضون للاحتجاجات الضغط على لاباز لإعادة فتح الطرق بأي ثمن، وقرعوا الأواني الفارغة أثناء مسيرتهم في وسط المدينة أول أمس، وهم يهتفون “نريد حلولا. لم نعد نطيق هذا الوضع!”.

ورغم استخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين واعتقال أكثر من 120 شخصا، فإن باز قاوم حتى الآن دعوات نشر المزيد من القوة لكسر الحواجز.

وتكشف ردود الفعل العالمية عن انقسامات سياسية، فقد تعهدت الحكومات المتحالفة مع ترمب -التي وصلت أخيرا إلى السلطة في أنحاء أمريكا اللاتينية من الأرجنتين وتشيلي إلى هندوراس وكوستاريكا- بدعمها لمدينة لاباز، ونددت بالاحتجاجات ووصفتها بأنها مزعزعة للاستقرار.

ودافع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو -أحد القادة اليساريين القلائل الذين ما زالوا في السلطة في المنطقة- عن الاحتجاجات، ووصفها بأنها “نضال من أجل كرامة أمريكا اللاتينية”. وردا على ذلك، طردت بوليفيا السفير الكولومبي.

أما إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فاتخذت موقفا متشددا، واصفة المظاهرات بأنها محاولة انقلاب. وقال وزير الخارجية  ماركو روبيو الأسبوع الماضي “لن نسمح للمجرمين وتجار المخدرات بالإطاحة بقادة منتخبين ديمقراطيا في نصف الكرة الأرضية التابع لنا”.

وأعلنت السفارة الأمريكية في لاباز إغلاق أبوابها، يومي الثلاثاء والأربعاء، بسبب الاضطرابات.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل