الثبات-إسلاميات
في زمنٍ تاهت فيه القلوب بين الخوف من الغد، واللهاث خلف المجهول، كَثُرَ الطارقون لأبوابٍ لم يُؤذَن بفتحها، وسألوا من لا يملك جوابًا، وتعلّقوا بأوهامٍ سُمّيت علمًا، وهي في حقيقتها افتئاتٌ على مقام الربوبية.
لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من العبودية لغير الله، ومن التعلّق بما سوى بابه، فجعل علم الغيب حقًّا خالصًا لله وحده، لا يشاركه فيه نبيٌّ مرسل ولا ملكٌ مقرّب، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
. ومن هنا جاء الوعيد النبوي شديدًا صارمًا، حمايةً للتوحيد وسدًّا لذرائع الانحراف، فقال النبي ﷺ: ((من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ)).
وفي رواية أخرى: ((من أتى عرّافًا فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا)).
وليس الكاهن أو العرّاف صورةً من الماضي فحسب، بل هو كل من يدّعي كشف الغيب اليوم: قراءة الأبراج، والفنجان، والكف، والطاقة، ورسائل الأرواح، وأرقام الحظ… تتغيّر الأسماء ويبقى المرض واحدًا: مزاحمة الغيب الإلهي بادعاءٍ بشري كاذب.
إن التصديق بهذه المزاعم ليس تسلية عابرة، بل جرحٌ في صميم العقيدة، لأن فيه تكذيبًا ضمنيًا لقول الله، وتعلّقًا بغيره، ونقلًا للطمأنينة من السماء إلى وهمٍ أرضيٍّ هش.
وقد أدرك السلف الصالح خطر هذا الباب، فكانوا يغلقونه بإحكام، لأن القلب إذا تعوّد سؤال الغيب من غير الله، ضعفت صلته بالدعاء، وخفت يقينه بالقضاء، وتسرّب إليه الشك حيث ينبغي التسليم.
فالعبد المؤمن لا يسأل: ماذا سيحدث؟ بل يقول: قدّر الله وما شاء فعل.
ولا يبحث عن الغد في الأبراج، بل يفتحه بالدعاء والعمل والتوكل.
وفي زمن القلق، تظل أعظم طمأنينة أن تعلم أن الغيب بيد الله، وأن من تولّاه لن يضيّعه، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.
فيا من تبحث عن الأمان: الغيب ليس لغزًا يُحلّ، بل سرٌّ يُسلَّم، ومن سلّمه لله… عاش مطمئنًا في الدنيا، ثابتًا في الآخرة.
حين تُربك الشاشات بيوتَنا… فتنة المقارنات الخفيّة
في رحاب سورة الكهف كما يبعث الله القلوب، يبعث الأقدار
رجب الأصب شهر الله .. سماحة الشيخ الدكتور عبد الناصر جبري رضوان الله عليه