الإعلام اللبناني.. صناعة المحتوى الهابط والمستوى الساقط _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 05 أيار , 2026 11:55 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

ليس يعنينا الموقف السياسي لهذا القلم أو ذاك، أو لهذا البوق أو ذاك، والإعلام اللبناني بلغ مرحلة من الإبداع الفكري لدرجة أنه بات يُستورَد إلى المحطات الفضائية العربية، وبالتالي غدا بعض هذا الإعلام معروضاً للبيع في زمن الانتحار العربي والإقليمي. هذا ليس موضوعنا، ولكن أن يبلغ بنا الغرور درجة الجنون في تقاذف الآراء، والتعرُّض بالشخصي خلال الحوار في العام، فنحن كمَن يقف أمام المرآة ويتناقش مع نفسه، ويتشاتم مع نفسه، ويتباصق على نفسه، ولكل واحد منا وطن على مقاسه، حدوده لا تتخطى إطار المرآة، ودويلته الأشبه بحارة كل مين إيدو إلو، باتت تحتاج دولة الرنجر العسكري لسحق مَن بالغوا في التطاول على الوطن تحت مُسمَّى "حرية الرأي" وبناء المجد الذاتي ولو من حجارة التاريخ، والحجارة جاهزة في الأرض من مئات آلاف البيوت التي يهدمها العدوان، ونحن كأبله البلهاء وأسخف السخفاء و"أوطى" العملاء نقف أمام بقايا المرايا ونقرأ على ذواتنا آيات العزاء.
ومع غياب أي دور للمجلس الوطني للإعلام منذ عقود، فإن الأزمة لا تقتصر على عالم الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية المُرخصة، بل على المواقع الرديفة لها التي تندرج تحت مسمى المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، بحيث غدا كل مؤثر لديه العدد الكافي من المتابعين أن يكون هو صحيفة وإذاعة وتلفزيون، ينقل الحدث بالصورة والصوت أسرع من كافة وسائل الإعلام، التقليدية، وبالطريقة التي هو يرتأيها لإرضاء جمهور المتابعين، ومن هنا بدأت الفوضى الإعلامية ومعارك بخّ السموم التي نشهدها ليس عند كل استحقاق وطني يستحق النشر، بل عند كل حدث أو حادث سواء كان مُهماً أو تافهاً.

نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، أن النائب العام التمييزي القاضي احمد الحاج، كلف قسم المباحث الجنائية المركزية استدعاء من يلزم من”المؤسسة اللبنانية للإرسال” للتحقيق بشأن ما بثَّته المحطة في تقرير ظهر فيه أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم الى جانب مقاتلين من الحزب بأسلوب مستوحى من شخصيات لعبة "Angry Birds"، كما سطر الحاج استنابات قضائية للبحث والتحري عن هوية الاشخاص الذين قاموا بفبركة صور مسيئة الى البطريريك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، وصور اخرى تحمل صورة رئيس الجمهورية يرتدي قلنسوة يهودية ومن خلفه علم "اسرائيل".
الحاج الذي لم يؤدِّ بعد اليمين القانونية امام رئيس الجمهورية لتسلم مهامه الجديدة، اتخذ هذه الإجراءات من منطلق الحفاظ على السلم الأهلي، ولكن محاسبة هذه المحطة أو ذاك الموقع لا تضمن الضبط الإعلامي والانضباط الوطني، لأن هناك ثلاث فئات من الأقلام في عالم الصحافة والتعبير عن الرأي:
الفئة الأولى من الأقلام، ليس بالضرورة أن تكون الصحافة مهنتها، بل هي تعشق نزف الدواخل والكتابة في أي شأن يحرك مشاعر أصحابها.
الفئة الثانية، هي التي تعتبر الصحافة مهنتها، وهي تكتب لتقبض الأجر، وهذه هي الصحافة المتعارف عليها.
الفئة الثالثة، هي التي تقبض لتكتب، وضمنها تندرج أقلام الحرام وأبواق العمالة.

البعض من الذين يرُون أنفسهم مؤثِّرين في عالم السياسة والإعلام، هم في واقع الأمر متأثِّرين بمَن يعتبرونهم قُدوة، لدرجة أن التجريح والقدح والذمّ هو في مفهومهم كلام سياسي، والتعرُّض للشخصي هو سلاح مُبرر ومشروع، بينما هو دليل إفلاس في القرينة والحجَّة، لا بل هو إسفاف وانفلات من كل القواعد الأدبية والأخلاقية.
يبرر أحد المتسلقين على الصفحات والمنابر هذا الأسلوب الرخيص في التخاطب، أن دونالد ترامب رئيس أعظم دولة في العالم، يُدير الأمور السياسية والاقتصادية والعسكرية عبر التغريدات، وأنه يدخل في الشخصي عندما يقرر إبهاج مناصريه وحشر خصومه، كأن يُشيد بهذا ويذمّ بذاك، لكن هذه ليست أدبيات الإعلام ولا لياقات ثقافتنا اللبنانية، وإذا كان ترامب بتغريداته وتصريحاته الفارغة هو "القدوة" للبعض في دنيا السياسة والإعلام في لبنان، فالسلام على السياسة، وعلى الإعلام السلام، لأن تغريدة من ترامب ربما قد تهزّ العالم، بينما كل الإعلام اللبناني الذي يتناغم معه، لن يستطيع تغيير حرف من قرار شعب قرر الكتابة بدمائه أن يكون له وطن، ولن تمنعه المواقف السياسية الهزيلة، ولا الإعلامية العميلة من حقه في الدفاع عن أرضه، والعودة إلى قراه التي يستبيحها العدوان على مرأى من العالم وأمام أعيُن لجنة الميكانيزم وكل الزاحفين إلى التفاوض تحت النار.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل