شيخ التابعين وإمَامُ المُتَصَوِّفِين .. سيِّديْ الحَسَن البَصْرِي 

الأربعاء 17 نيسان , 2019 03:34 توقيت بيروت تصوّف

الثبات ـ تصوف

إلى الحضرة العليا والمحلِّ الأسمى سَمت أرواح الأولياء والعارفين والصفوَةِ الصوفيةِ المُقربين، بعد أن طّهُرَت نُفوسهم وتحررت من رِقِّ الهوى قُلوبهم، وعلى القمة الشامخة ترى رجالاً من أفذاذ خَيرِ القُرون يَخلِفُون صحابة سيدنا الرسول، مِنْ هؤلاء الصفوة الأولياء والصُّوفِيةِ الأصفياء سيد التابعين وإمام الزُّهَّادِ والعلماء المتَحققِين : سيدي أبو سعيد الحسن بن أبـي الحسـن يسـار البصـري، ولقد آثَرَتْ شَبَكَةُ الثَّبات أنْ يَكون هذا العَلَمُ الشامخ في صَدَارةِ شَخصيات رجال التصوف الذين تُتَرجِمُ لهم لعدة اعتبارات:

أول هذه الاعتبارات: أن الإمام الحسن البصري هو رأسُ التابعين، وهم أفضل الأُمَّةِ بعدَ الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومن ثم فان إبرازَ صوفِيةِ هذا الإمام هو تأصيلٌ للتصوفِ الإسلامي في وجهِ مَنْ يَزعُمون خُروجه مِن دائرة الإسلام جهلاً به أو تجاهلاً لِحَقِيقَتِهِ .

ثاني هذه الاعتبارات: أن الإمام الحسن البصري رحمه الله قد استمد مشرَبَهُ الصوفي من واحة رابع الخلفاء الراشدين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسنده الصوفي متصل به اتصالا مباشراً كما هو موثق في كتب التراجم .

ثالث هذه الاعتبارات : أن الإمام الحسن البصري رحمه الله، كان أول من تكلم في علم التصوف واستعمل تسمية الصوفية .

مولده ونشأته وصِلَتُهُ بالبيتِ النَبَوِي : 

هوالحسن ابن أبي الحسن يسار البصري نِسبة إلى البَصرةِ بالعراق، فأسرته كانت تقطن البصرة، وكان يلقب بإمام أهل البصرة، وُلِدَ الإمام البصري في بيت السيدة أم سلمة رضي الله عنها، زوجة سيد الخَلْق صلى الله عليه وسلم، في المدينة المنورة سنة أحدى وعشرين سنة للهجرة، ويوافق ذلك سنة 641 م، في أعطاف العناية الإلهية تحت ظِلِّ ورعاية أم المؤمنين رضي الله عنها، بل وينال الشرف الأعظم من رضاعه منها .

تَدَرَّجَ في مراقي الفلاح ونَهَلَ من ينابيع علوم الصحابة الذين كانوا أوعية العلم والمعرفة، وحَمَلَةِ الإرثِ المُحَمَّدِي، ذكره محمد بن سعد في طبقاته فقال: (كان الحَسنُ البَصري جامعاً، عالماً، رفيعاً، فقيهاً، ثِقةً، حُجَّةً، مأموناً، عابِداً، ناسِكاً، كثير العلمِ، فصيحاً، جميلاً، وسيماً، وكان على رأس التابعين، وانعقدت له سيادة أهل زمانه، وقد سَجَّل الذَّهبي هذه السيادة قائلا في ترجمته: (وكان سيد أهل زمانه علما وعملاً )، عُرِفَ البصري بشدة خوفه من ربه وخشيته من عذابه، مع أنه كان شديد الاجتهاد في طاعة الله تعالى وعبادته، إذ يقول الإمام المناوي في طبقاته (ثم صار من رؤوس العباد الأخيار، يصلي الغداة – الصبح – بوضوء العشاء أربعين سنة)، ومع ذلك كان قِمَّة في التواضع واستقلال قدره بالنسبة للصحابة، حتى كان يقول : (لقد أدركتُ أقواماً ما أنا عِندَهم إلا لِصْ)، وقال فيه سلطان العارفين محيي الدين ابن عربي : (الحَسَنُ عندنا مِن أئمة أهلِ طريق الله جل جلاله، ومِن أهلِ الأسرَار والإشارات ) وكان له مجلس خاص في منزله لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزُّهدِ والنُّسك وعُلُومِ الباطِنْ، وقد روى الحافظ الذهبي و المناوي عن سيدنا قتادة ( التابعي) رضي الله عنه: أنَّ الإمامَ الحسن كان في عصره مِنَ السَّبعةِ الذين هُم على قَدَمِ خليلِ الرحمن، بهم يُغاثُ النَّاس وبِهم يُسقَونَ ويُنصَرون، وهؤلاء هم المَعروفينَ عند الصوفية بالإبدال، وهو أول من تّكَلَّم في عِلمِ التَّصوُّفِ ومَهَّدَ سَبيله وفَتَقَ الألسِنَة بِه، ونَطَقَ بِما فِيه، وأظهَرَ أنوارَه، وكَشَفَ قِنَاعَه، وكان يَتكلم بِكلامٍ لَمْ يسمعوه من أَحَدٍ مِن قبل من إخوانه.

أمَّا عن المَشرَبِ الصُّوفي والمنهج السلوكي والتحققي الذي تَحَقَّقَ بِهِ الامام الحسن البصري وارتقى به مكانة شامخة في قمة عصر التابعين وصار بِهِ إماماً للصُّوفيَّةِ من بعده الى عصرنا هذا، يتراءى لنا مرتكزاً على أربعةِ أُسس رَئيسية هي: المعرِفةُ والزُّهد في الدنيا، الخوف والعمل للمُشاهدةِ على أساسٍ من تزكيةِ النَّفسِ وصلاحِ القلب، لَبِسَ الحَسن البصري خُرقَةَ التصوف عن سيدنا علي بن أبي طالب، وقد أكَدَّ المُعاصرين صِحَّةَ انتهاءِ بعض سلاسِلِ الطُّرقِ الصوفية إلى سيدنا علي مِنْ طريق الإمام الحسن البصري، كما أن سيدي عبد القادر الجيلي – الشهير بالكيلاني – سَنَدهُ بالخُرقةِ الصوفية ينتهي إلى الحَسَنِ البصري أيضا، وكذلك سيدي احمد الرفاعي، وإن الحسن البصري أخذها عن سيدنا علي.

ولقد بَيَّنَ العلماء والمفكرون أن الإمام الحسن كان مؤسِّسَ (عِلم القُلوبِ والخَواطِر) وهو ما سماه الباحثين المُحدَثُونَ بـ (السيكيولوجية التنسكية) وهي المبادئ التي قامت عليها العديد من الطُّرقِ الصوفية، وصَرَّح بَعضهم بأنَّ الإمام الحسن البصري كان القُطبُ الغوث في زمانه، وكانت حياته مرآة لقوله في الزهد، إذ يروى الذهبي عن مَطَرَ أنه قال : ( دخلنا على الحسن نَعُوده فما كان في البيت شيء، لا فراش ولا بساط ولا وِسادة ولا حَصير إلا سريرٌ مرمولٌ هو عليه)، ولقد كان مَضرِبَ المَثَلِ في خوفِهِ وخَشيتِهِ وطُولِ حُزنِهِ، حتى روى ابن الجوزي عن يزيد بن حوشب أنه قال: ( ما رأيت أَخوَفَ مِنَ الحَسَن وعمر بن عبد العزيز، كأنَّ النَّارَ لم تُخلق إلا لَهُما) وروي عن يوسف بن أسباط: ( مَكَثَ الحسن ثلاثينَ سَنَةً لم يَضحَك، وأربعينَ سنةٍ لم يَمزَح) وروى ابن الجوزي عن مبارك بن فضالة انه قال : سمعتُ الحَسَن وقد سأله شاب: أعيَانِي قِيَامُ الليل، فقال له: قَيَّدَتكَ خَطَاياك) وقال: (المُقيمُ في مَسجدٍ مُرابط على طاعة الله يَدفَعِ اللهُ بِهِ وبِدُعائِهِ البَلاءَ عَنِ العِباد و البلاد) هكذا جّسَّدَ البصري فَضَلَ العِبَادةِ وصَرَّحَ بِمشروعِيَّةِ التَّوسل بِالصالحين، قال أبو كعب قلت للحسن البصري: ( يا أبا سعيد إني أريد سفراً فَزَوِّدني، قال: أَعِزَّ أمرَ الله حيثُ كنتَ يُعِزُّكَ الله)ويقول البصري : (لو عَلِمَ العابِدونَ أنهم لا يَرونَ ربَّهم يومَ القِيامةِ لماتوا)، فالمشاهدة هي مرتجى كل مُحِبّ لله، يقول الإمام الشعراني في طبقاته الكبرى على لسان البصري: (المحب سكران لا يفيق إلا عند مشاهدة محبوبه)

 هكذا جَسَّدَ الحسن البصري حقيقة العُبُوديَّة لله تعالى، فمشاهدة الله هي مَطمَعُ هذا العابِد، لا الجنَّةُ بِغُرَفِها، ولا النَّارُ بِلظَاها، ورؤية الحبيب أَمَلٌ يُداعِبُ الصوفية ويُفنُونَ في سبيله أعمَارهم، و من تَتَبَّعَ مَنهَجَ الحَسَن يَجِدهُ أصدَقَ تطبيقٍ عَمَليِّ لِمَا في الإسلام من تَصوف خلال هذ العصر، ولهذا يَعتَبِره كثيرٌ مِنَ الباحثين أنه أول من أسس ووضع أصول التصوف .
إذاً تلك هي غايةُ الصَّفوةِ الذين طهرت قلوبهم مِن الهَوَى بتصحيحِ العَمَلِ لله والتَّحرُّرِ مِن أسر النفس والشيطان، ولقد وصف البصري دواء للتغلب على العدوين الأكبرين قائلا: ( يُستعانُ على دَفع وسوسة إبليس بالذِّكر والقراءة، والنَّفسِ: بالصوم والصلاة والمجاهَدَةِ والرِّياضة)، وإذا صَحَّ القلبُ وطَهُرتِ النَّفس كان الشوق إلى اللقاء والحنين الى المحبوب، هذا هو الإمام الحسن البصري الذي قال فيه الإمام محمد الباقر رضي الله عنه: (ذلكَ الذي كَلامه كلامُ الأنبياء ) .

لبى الحسن البصري نِدَاءَ رَبِّهِ في غُرَّة رَجب سَنة مائة وعشره هجري ليلة الجُمعة، ولمَّا عَلِمَ الناسُ خَبَرَ وفاتِه، ارتجَّتِ البَصرةُ رجَّاً بِمَوتِه..غُسِّلَ البصري وكُفِّن وصُلِّيَ عليه بعد الجمعة في الجامع الذي قضا حياته يُعلمُ النَّاسَ فيه، وتَبِعَ كافَةَ الناسِ جنازته، حتى لم يتبقى منهم أحد، كما لم تَقُم صلاة العصرِ بجامِعِ البصرة في ذلك اليوم، قال أبو طارقٍ السَّعديُّ: شَهِِدتُ الحَسَنَ عِندَ موتِه يُوصِي، فقال لكاتبٍ : اكتُبْ، هذا ما يشهَدُ به الحسن بن أبي الحسن، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، مَن شهِد بها صادقًا عند موته دخل الجنة .

رحمك الله سيدي الحسن البصري ورضي عنَّا بجاهك آمين


مقالات وأخبار مرتبطة
الإنتخابات الرئاسية التونسية ٢٠١٩
مقدسيون: كنا نعيش على أمل رؤية الجيش السعودي يدخل الأقصى فاتحًا
ادفع بالتي هي أحسن .. والا .. "السجن أمامكو"
من ذاكرة التاريخ

عاجل