لبنان في الحرب : بين السوريالية والفصام

الأربعاء 01 نيسان , 2026 11:41 توقيت بيروت لـبـــــــنـان

الثبات ـ لبنان

لبنان في الحرب:  بين السوريالية و الفصام

لن أناقش تميّز اللبناني، فهذه مسألة تحظى بما يشبه التقديس في هذه الجغرافيا الصغيرة، ولربّما يكون صغر الجغرافيا أحد أسباب التميّز، بغضّ النظر عن حقيقته والمبالغات فيه. وفي الواقع، لا بدّ من الإقرار بأن للبنان ما يميّزه، فطالما كان مختلفاً وجميلاً، ولكن اليوم خلال الحرب، بماذا هو جميل؟

لهذا السؤال بعدٌ مختلف الآن، مرة جديدة، أهل الجنوب نازحون، العاصمة ومدنٌ وقرىً أخرى امتلأت بمراكز اللجوء، وليس دقيقاً الحديث عن الترحيب بهم في جميع المناطق، فالبعض رفض مغادرة منزله لكي لا يهان. الطيران الإسرائيلي لا يكاد يغادر السماء، غارات واستهدافات، شهداء وجرحى كل يوم. القرى الحدودية مع فلسطين المحتلة، حوّلها المقاومون إلى ساحات معارك شديدة الصعوبة على القوات الإسرائيلية.

هناك ضجيج آخر غير ضجيج الطائرات والانفجارات، صراخ تحت عناوين كبيرة، ليس للضحايا في لحظاتهم الأخيرة ولا لأولئك العالقين تحت الأنقاض في مكان ما، هو صراخ يريد أصحابه أن يُسمَع في الخارج قبل الداخل. وبعضهم يزايد على ما هو مطلوب أو متوقّع منه، يصير «ملكياً أكثر من الملك». وفي خضمّ الحرب، يرى هؤلاء أن هذا الوقت هو الأنسب لمزيد من الضجيج حول سلاح حزب الله، المسألة الخلافية الأكثر تعقيداً في لبنان، وستسمع تكراراً لا ينقطع لمفردات السيادة والدولة و«الدولة داخل الدولة» والارتهان للخارج والأجندات الأجنبية، بينما تراجعت وتكاد تختفي من قواميس البعض مفردة «مقاومة» بعد أن صارت ممنوعةً بموجب تعميم من قبل وزارة الإعلام.

لا غرابة أن هذه الأصوات تأتي مطابقة لأصحابها، لتاريخهم ومواقفهم، تأتي كدليل عن الحالة اللبنانية بشخصياتها المتكسّرة والكثيرة، وباختلافاتها المتكاثرة، والتي بالمناسبة، هي مثار اعتزاز عند البعض، في بلد يمتلك حصرية اختراعه لجملة «ما بيشبهونا»، مع الأسف، بطريقة ما تشرح هذه العبارة الواقع. هنا (بدون تعميم) كل يؤمن أن المشكلة في الآخر، وأنه أفضل من الآخر، لكن الأسوأ، إصرار كل طرف على أن لبنان الوطن، يجب أن يكون على شاكلته، بالـ«إيتيكيت» الخاصة، بالعادات اليومية لمنطقته حصراً، بالطعام والشراب، وباللهجة/اللهجات، فهذه تُعتبر جزءاً أصيلاً من الشخصيات المناطقية، بتعقيداتها الدينية والمذهبية والطائفية، والتي غالباً ما يتم الخلط بها مع الهوية.

وهذا ما يقود إلى تساؤل بشقّيْن: هل هناك هوية في لبنان؟ وإذا كان الجواب نعم، فهل هناك هوية جامعة في لبنان؟
من تعريفات فصام الشخصية، أنه اضطراب عقلي يؤثّر على التفكير والسلوك والمشاعر، ومن علاماته فقدان الاتصال بالواقع، وهلوسات وتوهّمات وإيمان عميق وقطعي بأشياء غير صحيحة، وذروة المأساة حين لا يعرف المريض بمرضه، ما يجعل العلاج شبه مستحيل، لأن أول شروط العلاج هو الإقرار بوجود الداء.

في مسرحيته «فيلم أميركي طويل»، مَسرَحَ المبدع زياد الرحباني رحمه الله الحالة اللبنانية، رأى بوعي الفنان والناقد أن المكان الأمثل لتصويرها هو مستشفىً للأمراض العقلية (العصفورية). مَن شاهد أو سمع المسرحية التي عُرضت عام 1980، سيشعر مع نهايتها بشيء من الحزن، من الكآبة التي ترافق «الكوميديا السوداء». لا يختلف حال اللبنانيين كثيراً عن مشهدية الختام، حين يتحدّثون اليوم عن المواطنة واللحمة الوطنية.

هناك شخصية مستترة في لبنان، لكنها موجودة، تخالها واحدة من شخصيات مسرحية كوميدية، قد تسمع في الشارع شخصاً خفيف الظل يعدك بصباغِ الهواء «بدهنلك الهوا بويا»، أو برصف سطح البحر رخاماً «ببلطلك البحر»، وقد يسألك بطرافة عن اللون الذي تفضّله للهواء، أو نوع ولون الرخام، وهذا النوع من المزاح يعكس هو الآخر شخصية لبنانية أخرى، تؤمن بتميّزها. والأمر ليس حكراً على طبقة اجتماعية دون غيرها، الغنى أو الفقر ليسا مُحدّديْن.

فكرة التميّز جامعة في لبنان. حين تسأل اللبناني العادي، يجيبك «اللبناني شاطر»، لكن الحرب، ولا أعني هذه الأخيرة فقط، تخرج شخصيات مختلفة، وأنا كلبناني أعرف، أن ثمة في الوطن مَن يفكر (بالسرّ حتى الآن) ما إذا كانت المشكلة تُحلّ مع الإسرائيلي إذا أُعطِيَ ما يريد، ولو جزءاً من أرض الوطن. ثَمَّةَ من هو مقتنع بأن مشكلة الإسرائيلي مع جزء من اللبنانيين فقط، الآن الشيعة، ولدى هذا الفريق «فلسفته» في فهم وتحليل الأمور كما يشاء ويهوى. هذه مقدرة عجيبة على الانفصال عن الواقع، قبل الانفصال عن التاريخ، لأنه قد يعتبر أيضاً أنه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت مشكلة الإسرائيلي مع السنّة، وهذا لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة. ومع بيروت لوجود منظمة التحرير الفلسطينية فيها.

وللتوضيح، اللبناني الذي أقنع نفسه بأن مشكلة الإسرائيلي مع هذا الجزء دون غيره، مقتنع أيضاً بأنه سيعامله بشكل مختلف، والأميركي وأي غربي آخر كذلك، ويستند إلى «قناعة» أنه «لبناني شاطر»، وأن هذا كافٍ ليعامل بفرادة تليق به. والحديث هنا يتعدّى الناس العاديين في الشارع، هذه الفكرة، هذه القناعة موجودة لدى سياسيين يمثّلون مَن يمثّلون، لهم رأيهم وكلمتهم في مؤسسات الدولة. لكن وعلى عكس «خفة دم» صابغ الهواء و«مبلّط البحر»، تظهر هذه الشخصية في السياسة كتهريج هابط، كطفرة سوريالية، منفصمة الشخصية، ووفق معرفتي المتواضعة، السوريالية مدرسة في الرسم، ولم يُسمَع عن هكذا مدرسة في السياسة.

اليوم بيروت تتغيّر، فيها مَن يخاف أن يرفع صوته كما اعتاد، وستلحظ ذلك بسهولة. هناك مَن يريد تغيير عاداتها الجميلة، وجهها، انحيازاتها الرائعة، تمرّدها حين لم تكن أي عاصمة أخرى تجرؤ على التمرّد، بيروت الناضجة والواعية أن مشكلة الإسرائيلي كانت ولا تزال، مع كل إنسان يقاوم ويعارض مشروعه، مهما يكن أصل ودين ومذهب هذا الإنسان، مهما يكن فكره، علمانياً أو دينياً، لا فرق. ففتحت لهم جميعاً، أبوابها وقلبها، ولهذا احتلّها في عام 1982، لأنها كانت عاصمة المقاومة، كانت الرمز والأيقونة، كانت الخيمة الأخيرة والنجمة الأخيرة، كما رآها وعرَّفها محمود دوويش في قصيدته «بيروت».

أذكر درساً من كتاب التاريخ في المرحلة الابتدائية عن الفينيقيين («الفينيئيين» باللهجة اللبنانية - هذه المفردة فوق اللغة في لبنان، وجزء كبير من اللبنانيين يستخدمونها وكأنهم الجيل الثالث من الأحفاد للجد الفينيقي المؤسّس، ويتحدّثون عن تلك الحقبة بيقين ومعرفة لا يجرؤ عليهما علماء التاريخ. وللإشارة، فهذه المسألة أيضاً هي موضوع نقاش ونزاع، حول مَن مِنَ اللبنانيين فينيقي ومن لا) يتحدّث كيف كانوا يرمون خلافاتهم الداخلية ويتّحدون أمام الخطر الخارجي.

وأذكر كطفل يقرأ تاريخ بلاده، الفخرَ الذي شعرت به يومها، أنّي «فينيقي»، لا أرز على وجه الأرض إلا في بلادي، ولا ثلج يشبه ثلج بلادي، ولا صخرة اختارتها السماء لتزيّن أجمل شاطئ في الدنيا إلا صخرة الروشة قبالة عاصمة بلادي! الآن، في منزل جبلي يطل على ضاحية بيروت، سحب الدخان تتصاعد من أكثر من مكان، على مدى ساعة أحاول التخفيف من خوف الأطفال كلما اقترب صوت الطائرات، ومن رعبهم كلما اخترقت جدار الصوت.

فجأة، ابنة أخي ذات السنوات الخمس، التي لم تركب طائرة بعد، قرّرت السفر، قامت مسرعة وهي تقول: «أنا رايحة على السفر»، تحدّثت من مخيالها عن جمال باريس، سألت إذا كانت بعيدة، دخل أخوها الذي يكبرها بعامين على خط النقاش، ليقول بناءً على مخياله أيضاً، إنه يفضّل إيطاليا، تحدّث عن جمال ميلانو تحديداً، ثم فاجأني سائلاً، ما الجميل في لبنان، أجبت بالمستطاع، وبما تفرضه عليَّ سنوات طفولته السبع، ولهفته لسماع ما يفرحه عن بلده، ثم أخذت زاوية لأكتب هذا المقال.

محمد المقهور

 صحافي لبناني


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل