فايننشال تايمز: حرب ترامب على إيران تنتهي إلى مأزق استراتيجي… وهرمز يتحول إلى محور أي تسوية

الأربعاء 05 آب , 2026 09:16 توقيت بيروت دولــي

الثبات ـ دولي

رأت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي دخل الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت شعار “الاستسلام غير المشروط”، يواجه اليوم مأزقًا استراتيجيًا، بعدما تقلصت أهداف الحرب من فرض شروط واسعة على طهران إلى السعي للتوصل إلى تفاهم يضمن إعادة فتح مضيق هرمز.

وأشارت الصحيفة، في تقرير تحليلي، إلى أن الإدارة الأميركية تحدثت طوال الأشهر الماضية عن اقترابها من التوصل إلى اتفاق مع إيران، إلا أن أي اتفاق محتمل لن يرقى إلى مستوى الأهداف التي أعلنتها واشنطن عند بدء الحرب، والتي شملت البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، ودعم حركات المقاومة في المنطقة.

ولفت التقرير إلى أن المطالب الأميركية تقلصت تدريجياً، لتتركز اليوم حول ملف مضيق هرمز، بعدما أصبحت حرية الملاحة فيه أولوية بالنسبة للإدارة الأميركية. ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قوله إن “نزع السلاح النووي الإيراني هو الصفقة النهائية، أما الصفقة الفورية فتتمثل في مضيق هرمز”.

واعتبرت الصحيفة أن هذا التحول يعكس، بحسب منتقدين، “إذلالاً استراتيجياً” لواشنطن، إذ إن إيران لم تستخدم ورقة مضيق هرمز إلا بعد اندلاع الحرب، وأصبحت تمتلك قدرة مؤثرة على إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بما يمنحها أوراق ضغط لم تكن الولايات المتحدة تتوقعها قبل اندلاع المواجهة.

ونقلت فايننشال تايمز عن المفاوض الأميركي السابق آرون ديفيد ميلر قوله إن ما كان في السابق ممراً بحرياً مفتوحاً لم يعد كذلك، مضيفاً أن الإدارة الأميركية لن تتمكن من انتزاع اتفاق تستطيع تقديمه للرأي العام الأميركي باعتباره انتصاراً حقيقياً.

وأضاف التقرير أن أي مخرج من الحرب يحمل كلفة سياسية كبيرة للرئيس الأميركي، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة، وتراجع المخزون العسكري الأميركي، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وأوضحت الصحيفة أن سعر البنزين في الولايات المتحدة تجاوز أربعة دولارات للغالون، فيما ارتفعت أسعار الديزل إلى مستويات تفوق المعدلات المسجلة في عهد الرئيس السابق جو بايدن، بالتزامن مع استمرار المخاوف من انعكاسات الحرب على الاقتصاد الأميركي.

وفي السياق نفسه، نقلت الصحيفة عن السفير الأميركي السابق لدى السعودية مايكل راتني قوله إن واشنطن أصبحت أمام خيارات محدودة، فاستمرار التصعيد يحمل مخاطر كبيرة على أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي، بينما أي اتفاق يمنح إيران دوراً في إدارة مضيق هرمز سيكون موضع رفض داخل الولايات المتحدة ولدى بعض الحلفاء.

وأكد راتني أن التحدي الأكبر أمام ترامب لا يقتصر على إنهاء الحرب، بل يتمثل أيضاً في كيفية تبرير أي اتفاق للرأي العام الأميركي، في ظل ابتعاده عن الأهداف التي أعلنتها الإدارة عند بدء المواجهة.

وأشارت الصحيفة إلى أن المحادثات الجارية بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إدارة الملاحة في مضيق هرمز أصبحت محور الجهود السياسية، موضحة أن الولايات المتحدة تتلقى عبر الوسطاء إحاطات مستمرة حول سير هذه المفاوضات.

وفي هذا الإطار، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران ومسقط تعملان على وضع بروتوكولات لتنظيم حركة الملاحة في المضيق، على أن تكون أي ترتيبات في هذه المرحلة مؤقتة إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي.

ووفقاً لأشخاص مطلعين على المفاوضات، فإن الترتيبات المقترحة تقوم على عبور السفن الداخلة إلى المضيق عبر المياه الإيرانية، وخروجها عبر المياه العُمانية، على أن تتولى إيران في المرحلة الأولى تأمين مرور السفن والتأكد من خلو الممرات من الألغام، قبل إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية.

وأضاف التقرير أن إيران أوضحت أنها ستتقاضى رسوماً مقابل الخدمات المتعلقة بإدارة حركة الملاحة، فيما اقترحت سلطنة عُمان نموذجاً مشابهاً لما هو معمول به في مضيق ملقا، يقوم على مساهمات طوعية لدعم سلامة الملاحة وحماية البيئة.

وأشارت الصحيفة إلى أن أي تفاهم من هذا النوع قد يقابله تخفيف للحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، إلى جانب تخفيف بعض القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، إلا أن مثل هذا الاتفاق سيواجه انتقادات داخل الولايات المتحدة بسبب ابتعاده عن الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأميركية عند بدء الحرب.

ونقلت الصحيفة عن أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز ولي نصر قوله إن إيران أوضحت أنها لن تتراجع عن موقعها في مضيق هرمز، وأنها تعتبر السيطرة على هذا الممر جزءاً من معادلة الردع التي فرضتها الحرب.

كما نقلت عن الباحث في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ قوله إن أي اتفاق يجري الحديث عنه لا يمثل اتفاقاً أميركياً إيرانياً بقدر ما هو تفاهم بين إيران وسلطنة عُمان، معتبراً أن واشنطن قد تحاول تسويقه داخلياً باعتباره إنجازاً سياسياً، إلا أنها ستواجه انتقادات واسعة، ما قد يدفعها إلى العودة مجدداً إلى التصعيد العسكري، قبل أن تعود لاحقاً إلى مسار التهدئة، في دورة مرشحة للتكرار.

وختمت فايننشال تايمز تقريرها بالإشارة إلى أن الرئيس الأميركي بات عالقاً بين خيارين أحلاهما مر، فهو لا يستطيع تحقيق حسم عسكري، وفي الوقت نفسه لا يستطيع فرض تسوية سياسية من دون أن يدفع ثمناً سياسياً كبيراً داخل الولايات المتحدة، معتبرة أن الحرب التي وُصفت في بدايتها بأنها ستكون سريعة وحاسمة، تحولت إلى أزمة استراتيجية مفتوحة على احتمالات متعددة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل