لم يعد هناك من يحمي اتفاق الطائف

الثلاثاء 04 آب , 2026 10:26 توقيت بيروت لـبـــــــنـان

الثبات ـ لبنان

التمسّك بأمر أو موقف أو مبدأ، لا يكفي للقول إنه لا وجود للمشكلة. وهذا هو حال اللبنانيين مع اتفاق الطائف. وكثرة الحديث عن التمسك به، لا تعني أنه لا يزال صالحاً للعمل. حتى الذين يديرون البلاد اليوم وخصوصاً أميركا والسعودية، ليسوا بالضرورة، هم الجهة الصالحة لحسم ما يحتاج إليه لبنان. أمّا الانقسام الداخلي حول الصيغة الأنسب لإدارة البلاد، فهو انقسام حقيقي، يقوم على خلفية تتشابك فيها المصالح الاقتصادية بالخلفيات المذهبية والطائفية والدينية، وتقوم عليها التحالفات الداخلية والخارجية. وكل عمليات التجميل الجارية دون توقّف، لا تلغي حقيقة أن الاختلافات باتت كبيرة جداً.

منذ توقّف الحرب الأهلية مطلع تسعينيات القرن الماضي، عاش النظام في لبنان على التفسير السوري – السعودي – الأميركي المشترك لاتفاق الطائف. واستمر الأمر على هذا النحو، حتى أحداث 11 أيلول، عندما قرّرت أميركا قلب الطاولة، وقدّمت تفسيرها الجديد لاتفاق الطائف، فعملت على إنهاء الوجود السوري في بيروت والتخلّص من المقاومة ضد إسرائيل. وخلال ست سنوات، كانت واشنطن قد أنجزت إعادة تشكيل التحالف الخارجي، بضمّ فرنسا والسعودية إليها، وأجلست إسرائيل على الجانب نفسه من الطاولة.
منذ يومها، يعيش لبنان سيلاً من التطورات تجلّت في انهيارات متعدّدة الطبقات، سياسياً وإدارياً ومالياً واقتصادياً، مع ارتفاع منسوب التوتر الطائفي والمذهبي، والهجرة الكثيفة، والتوترات الأمنية الداخلية، إضافة إلى الحروب الإسرائيلية ثم الحرب الأهلية في سوريا. ومع ذلك، فقد بقي في لبنان، من يخرج ليقول لنا إن اتفاق الطائف هو السبيل الوحيد لإعادة تنظيم التوازنات في لبنان.

اثنان فقط من الفاعلين في لبنان اليوم، يؤمنان بأن اتفاق الطائف هو خشبة الخلاص، هما نبيه بري ووليد جنبلاط. وهما يقيمان صلاة الليل ومناجاة الله، أن يجد طريقاً لإعادة تنظيم العلاقات الخارجية لضمان بقاء هذا النظام. وأي نقاش نقدي معهما، من قبل أي طرف آخر في البلاد، لا يفيد في تغيير المقاربة، سواء جاء الرأي الآخر، من حزب الله أو من «القوات اللبنانية»، أو جاء من بقية النقابات المُنتِجة، أو من أيتام النظام المصرفي، أو ورد على لسان رهبان الكسليك أو مشايخ طرابلس وعمائم جبل عامل... وكل هؤلاء – في عرف بري وجنبلاط - ليسوا سوى هواة، غامروا بالبلاد مرات ومرات، وكلهم لا يعرفون مصلحة الناس!.

وسط الحرب المفتوحة حالياً في لبنان والمنطقة، يمكن ملاحظة الموقف المُتطابِق لبري وجنبلاط من أمور كثيرة. فهما، فعلياً، لا يثقان لا بجوزيف عون ولا بنواف سلام، ولديهما الرأي المشترك والموحّد من كل المفاوضات الجارية مع إسرائيل وحتى من توصيف اتفاق الإطار. ولدى بري وجنبلاط أيضاً، الرأي نفسه المُعترِض على ما قام به حزب الله منذ حرب إسناد غزة إلى حرب 2 آذار، وليس بينهما أي خلاف على التوصيف، وإن كانت لكل منهما طريقته في الحديث والتعبير عن الموقف. ولدى بري وجنبلاط نفس التقييم لسلوك الوفود الأميركية التي أتت إلى لبنان، بما يشمل السفير الحالي ميشال عيسى، كما أنهما – ولن يعبّرا أبداً عن هذا الموقف – لديهما الملاحظات النقدية المشتركة على المندوب السعودي يزيد بن فرحان. وأصلاً، ثمة ما يجمع بري وجنبلاط في حقيقة رفضهما «التعسّف» المستمر من قبل السعودية ضد سعد الحريري. ويجتمع بري وجنبلاط على الموقف من «البدلاء» الذين تحاول السعودية فرضهم على الشارع السنّي. كما أنهما يجتمعان على الموقف نفسه من المارونية السياسية القديمة والحديثة على حدّ سواء.

يقف بري وجنبلاط في موقع «الناظم» للصراع السياسي، لكنهما باتا في وضع لا يفيد بكسر الجمود الحالي، ولا بخلق أدوات حكم متوازنة تمنع الانفجار الكبير


ونظرا إلى تجاربهما مع الدور الخارجي في لبنان، من سوريا حافظ ثم بشار الأسد، إلى سعودية فهد وعبدالله وصولاً إلى آل سلمان، وباريس جاك شيراك وصولاً إلى ماكرون، فإن هناك مُشتركات كبيرة جداً جداً في نظرتهما إلى الدور الإيراني في لبنان والمنطقة أيضاً. حتى إنهما، يتفقان على تقدير متقارب لواقع النظام الجديد في سوريا، ويتصرفان انطلاقاً من أن الواقعية السياسية، تجعلهما يدعوان الجميع إلى التعامل مع الحكم السوري الجديد كما هو على صورته، وليس وفق ما يتمنّاه الجمهور.

هذا التقاطع الكبير بين الرجلين، وحيث يبدوان في نظر كثيرين، أنهما آخر العاقلين في لبنان، إلا أن واقع الأمور، يعيد طرح السؤال الذي يهرب منه الرجلان ومعهما غالبية من السياسيين وهو: هل يملك الرجلان، وصفة الحل الأنسب للمشكلة اللبنانية؟
الجواب هو قطعاً لا. ليس لنقص في قدرة كل منهما على لعب دور سياسي. بل لعجزهما عن إنتاج صيغة حل فعلي، سواء كان مؤقّتاً أو دائماً للأزمة. والسبب الفعلي لهذا العجز، أنهما شريكان كاملان في أصل المشكلة التي يواجهها لبنان منذ عقود. وما يميّز كليهما، أن الحصانة متوفّرة بما يمنع مُساءلتهما، وهي حصانة مُستمدّة من قوة النظام الطائفي والسياسي في لبنان. وليس فقط من موقعهما السياسي والحزبي. والعجز القائم، ينعكس في مواقفهما من القضايا الإشكالية الكبيرة.

فهما يرفضان أي اصطفاف إلى جانب أيّ من الفرق المتخاصمة حالياً. وهما لا يريدان الدخول في أي مواجهة مع سلطة الوصاية الأميركية والسعودية، وتالياً مع رجال هذه الوصاية في لبنان، من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة إلى بقية القوى المتنفّذة في السلطة التنفيذية القائمة اليوم. وهما، لا يقدران أصلاً، على إدارة حوار وطني يجمع الأطراف المتخاصمة، ولا يقدران على الدفع نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة، وبقدر ما يخشيان من مغامرات قوى مثل «القوات اللبنانية» أوالشخصيات المسيحية التي تجاهر بالدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل، فإنهما يُظهِران خشية أكبر على أي تحرك سياسي أو شعبي يقود إلى انتفاضة شعبية تطيح بالصيغة القائمة. لكنهما، يعجزان في الوقت نفسه، عن فرض توازن في أداء السلطة، نتيجة التزامهما الداخلي والخارجي بعدم المساس بأدوات الحكم القائمة!.

مقصد القول كله، أن لبنان، الذي يمر بمرحلة استثنائية، قد تكون فيها الحرب مع إسرائيل مجرّد صفحة عابرة، ذلك أن المتغيّرات الكبيرة القائمة في المنطقة، باتت تفرض على اللبنانيين مقاربات من نوع مختلف، وهي مقاربات، ستُنتِج على الأرجح، مستوى جديداً من التوتر، لكنه التوتر الذي سيقود إلى إنتاج صيغة جديدة للحكم في لبنان، وإذا كان بري وجنبلاط يمثّلان اليوم، مركز التوازن السياسي، انطلاقاً من قواعد اللعبة القائمة على أساس النظام السياسي الطائفي في لبنان، فإن أي تغيير مُرتقب، سوف يكون بري وجنبلاط أبرز ضحاياه، كون لبنان أكمل دورته الطائفية، بعد ولاية قادها الموارنة مع الجبهة اللبنانية، ثم نقاهة بعد الحرب الأهلية، بقيادة السنّة مع رفيق الحريري، قبل أن يقوم الفصل الثالث بتقدّم شيعي كانت المقاومة رافعته الفعلية... إلى أن وصلنا الآن، إلى مرحلة ما قبل السقوط الكبير، حيث يُترك الملعب عادة لطفيليّين جهلة، ولو حملوا ألقاب رؤساء وقادة!


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل